* حـواديـت *

Sunday, April 27, 2008

ناصية منتصف العمر



عند ناصية شارع منتصف العمر وقفت وفردت جناحيها وصهلت بأعلى صوت: "أنا حصان أبيض.. بقرن واحد وجناحين. أنا كأس أحلامك، وفنجان واقعك. وأنا -بشكل أساسي- رائحة القرفة التي تعلقت بكل حبال أفكارك".

* * * *

قبل هذا بمئات السنوات الضوئية، عندما كان طريق عملها يمر بالمقابر، سمعت يومًا صوتًا يغني من خلف السور. استعاذت وتفلت في صدرها ثلاث وأسرعت مبتعدة. في اليوم التالي عندما سمعت الغناء تمهلت لوقت كافٍ لتميز إنه صوت رجل. وفي اليوم الثالث لملمت أطراف تنورتها الطويلة ذات الأجراس الصغيرة وتسلقت السور ونزلت في الجهة الأخرى.

كان جالسًا على قبر، يؤرجح ساقيه ويغني: "وسيبني أحلم سيبني.. يا ريت زماني ما يصحنيش". جلست بجواره في هدوء وانتظرت حتى انتهى من الوصلة، ثم مع بداية الكوبليه التالي صاحبته. بعد أن انتهيا جلسا في صمت، ثم سألته إذا ما كان هذا قبره فأجاب بنعم، فطلبت منه أن يقرأ لها المكتوب على الشاهد لأنها لا تستطيع قراءة الكتابات الحزينة، فوقف على القبر وأعلن: "هنا يرقد من عشق الحياة، فقتلته"، فقامت هي وتسلقت سور المقابر، وببطء شديد شرعت في الرقص.

* * * * *

بعد هذا بمئات السنوات الضوئية سألته ماذا يفعل عندما يستيقظ قبلها، قال إنه فقط يجلس هنا منتظرًا استيقاظها، ويحملق في النافذة الموصدة متأملاً في قسوة الحياة. سألته لماذا يستيقظ قبلها من الأساس، قال إنه يريد أن يحرس نهايات لياليها ليضمن بدايات نهاراتها، وعلى أي حال هو لا يعرف كيف يبدأ النهار بدونها، فهي عندما تستيقظ تبدأ الحياة، فتَحْت وسادتها كل أدوات إعادة صياغة العالم.

تقول إنها في يوم من الأيام ستستيقظ مبكرة جدًا، أبكر منه. ستتسلل من السرير وتُخرج من صدرها ألوانها المحببة، وترسم على زجاج النافذة الموصدة عشرات الزهور ذات الشخصيات المختلفة، وشجرة تتمتع بروح الدعابة، وسُحب مدملكة، وشمس كبيرة بأشعة تصل إلى قلبه. قالت إنها على حافة النافذة ستزرع الريحان والنعناع.

يستمع إليها مبتسمًا (ومفزوعا من مقدار حبه لها). بهدوء، يحملها ويُجلسها على حافة النافذة ويقول بشكل قاطع: "إنتي ريحانتي، ونعناعة عمري".

وهكذا – تُكمل كلامها بجدية من على حافة النافذة – فعندما يستيقظ سيرى العالم من خلال ألوانها هي، ولن يضطر أبدًا للتفكير مرة أخرى في قسوة هذه الحياة.

* * * * *

إذا كان الأمر قد اقتصر على ثرثرة عصافيرها الملونة بعد شروق الشمس وقبل غروبها، لكان قد احتمل. ولكن ما غاظه فعلا وفجَّر الخلافات بينهما هو حواراتها المستمرة معهم طوال اليوم؛ فأحيانًا يبحث عنها في البيت كله بلا جدوى، حتى يشير عليه عقله بأن يتفقد الشرفة، وهناك يراها: تتحدث فيغردون، وتغرد فيتحدثون. يستطيع بضمير مستريح الاعتراف بأنه يغير من تلك العصافير التافهة (والتي اشتراها لها). في لحظة هوجاء، نسى أن بإمكانه التحدث معها؛ كان كل ما يسيطر عليه هو عدم قدرته على التغريد، والألم المصاحب لاحتباس الأغاني في القصبة الهوائية.

في الصباح التالي، قال إنه ما عاد يطيق جنونها وتقلباتها وعصافيرها، فطلبت منه أن يخفض صوته كي تعود للنوم. في المساء رمت كل هداياه من فوق سطح المبنى المجاور (لأنه أعلى من مبناها) وتركت له البيت، فقال إن هذه كانت أسوأ هداياه على أي حال وأنه بحاجة للهدوء.

* * * *

تمل الوقوف عند الناصية، فتقرر الاستعانة بقطط الشارع، فتجندهم بغمس أطراف ذيولهم في اللون البرتقالي، وتعطيهم جميعا الاسم الحركي "فجلة". في عجالة، تشرح لهم مهمتهم، وتشد على أيديهم، وتتمنى لهم التوفيق.

أصبح كلما نزل إلى الشارع أو فتح باب الشقة ليأخذ الجريدة، أو يُخرج القمامة، يظهر له فجلة بذيله البرتقالي، فيتمسح في رجله ويموء مواء حكيم لحوح يحاول أن يشرح له ما استغلق عليه من حقائق الحياة.

* * * * *

يزيح الستار السميك جانبا، والذي ركبه خصيصا ليحجب رسوماتها اللعوب على زجاج النافذة الموصدة، لأنها لا تكف عن الغمز له وتلعيب حواجبها كلما رأته وحيدا.

يتفقد الشارع ليرى إذا كانت مازالت هناك، فيراها، وقد تعبت من الوقوف، فاقترضت مقعد خشبي صغير من محل العصير المجاور، وطلبت كوبًا كبيرًا من عصير القصب.

تميل رأسها للوراء لتأتي على آخر قطرات القصب، فتلتقي عيونهما. يبتسمان، بخجلهما وشقاوتهما المعتادين. من النافذة، يدلي لها بدلوه، فتركب فيه. في سرية شديدة، وقبل أن يصل الدلو لنافذته، تُخرج مرآتها لتطمئن على أن شعرها مازال ثائرا، وأجنحتها مازالت مهندمة، وتنظر في حقيبتها لتتأكد من وجود متسع لمزيد من الجنون.

Tuesday, March 04, 2008

أصداء الرز بلبن



تحديث: النهارده إبراهيم فرغلي كتب في جريدة النهار مقال جميل يكمل الدايرة :) إبراهيم كان من أوائل الناس اللي عملت معايا حوار في 2005 على أساس إني من المدونات الأدبية الواعدة.. والنهارده بيكتب عن الكتاب.. الأدبي الواعد برضه

الاثنين 3 مارس

لسه مخضوضة :) بس سحر الموجي كتبت عني مقال جميل جدًا في المصري اليوم إمبارح.. وقالت إنها لما تشوفني هتقول لي كلام أكتر.. وده شيء يسعدني جدًا طبعًا

ودلوقتي بقى عندي صفحة لكتابي على الفيس بوك علشان آخد وآدي مع الناس كده ويعرفوا أخباري أول بأول

الخميس 14 فبراير

من كتر الفرحة أنا مخضوضة أوي.. ولا عارفه أنام ولا أشتغل.. بس قلت لازم برضه أعمل تغطية إعلامية سيبرية للحدث

حلقة العاشرة مساءً موجودة على يوتيوب:
الجزء الأول، الجزء التاني، الجزء الثالث (ولا ليالي الحلمية).. والشكر لمحمد سمير ولستُ أدري

وجريدة الجارديان كتبت عن مدونات الشروق في
مقالة عن الكتب في مصر

وياللا بينا عاملين لي
إعلان عن مناقشة الكتاب.. والشكر لعمر مصطفى

وإمبارح الأربعاء 13 فبراير شرّفني الأستاذ أحمد بهجت وكتب عن الرز بلبن في عمود "صندوق الدنيا".. وأحب أشكره جدًا على اللفتة الرقيقة دي

Tuesday, February 26, 2008

الرز بلبن في مساءك سكر زيادة




أينعم.. كالعادة وبكل سعادة أنا وغادة وغادة

هنكون ضيوف في برنامج مساءك سكر زيادة

على أو. تي. في النهارده.. تقريبا 7 مساء

وهنقعد الحلقة كلها نناقش البطيخ والطبيخ والرز بلبن والعرايس والعرسان

:)

Tuesday, February 19, 2008

اللي سبق أكل النبق



.. وأكل الرز بلبن كمان :)

الطبعة الأولى نَفَدت وجاري طبع التانية!

مزيد من المقالات والتغطيات: في الدايلي نيوز المصرية، وفي مصراوي، وفي بص وطل

Sunday, February 10, 2008

صباح الورد



لقد شغل الورد البلدي بالي: أمر أمام أي محل ورد، انحني (أو أشِب) لأستنشقه، أهز رأسي في أسى وأمضي. أفضل الأوقات للورد البلدي هي من يوليو لسبتمبر.. فرصة بسيطة لحدوث أجمل شيء في الدنيا. أسرح (بمنتهى التركيز) وأنا أحاول أن أتخيل كم تبقى على الورد البلدي

ولذلك، عندما دخلت مكتبي اليوم ووجدت مزهريتي بها وردتين يمتزج فيهما الأبيض مع الوردي برفق، شهقت وابتسمت وتنهدت.. وأدركت أنه سيكون يومًا للسرحان، فأخذت قرار منظَّم (ومنطقي للغاية) بأن أكرس يومي لفكرة واحدة فقط: عند سلامنا، لماذا أصبحت كفك تحتضن كفي لوقت أطول مما كانت تفعل طوال السنوات الماضية؟

Thursday, February 07, 2008

الرز بلبن في العاشرة مساءً



جهزوا المعالق بقى :)

يوم الاثنين 11 فبراير

هنكون غادة وغادة وأنا

ضيوف في برنامج العاشرة مساءً على قناة دريم 2

بمناسبة صدور كتابها وكتابها وكتابي

والدعوة عامة.. وشكلها هتبقى لمة! :)

Saturday, January 26, 2008

حفل توقيع أرز باللبن لشخصين




سيقام حفل توقيع "أرز باللبن لشخصين"

يوم الجمعة 1 فبراير الساعة 3 عصرا

بجناح دار الشروق بمعرض الكتاب

في اقتراح إن ألبان المالكي يبقى الراعي الرسمي لحفل التوقيع

وفي الحالة دي كل واحد يجيب معاه معلقة :)

وعلى رأي صديقة عزيزة:

ده هيكون أول كتاب يتحط في التلاجة :)

Tuesday, January 22, 2008

دلوقتي في الأسواق :)







أرز باللبن لشخصين - مجموعة قصصية



الغلاف تصميم الفنان وليد طاهر

Sunday, December 02, 2007

تصحيح مسار



أليس حبِّت توضح الموضوع: "بس أنا مش عاوزه أبقى وسط ناس مجانين".

القطة المشمشي ردت: "ما في اليد حيلة خلاص. إحنا كلنا هنا مجانين. أنا مجنونة. إنتي مجنونة".

أليس استغربت جدًا وقالت: "بس إزاي عرفتي إني مجنونة؟".

القطة المشمشي اتنهدت وقالت بحكمة ولا مبالاة كعادتها: "إنتي أكيد مجنونة.. وإلا ما كنتيش جيتي هنا".


ترجمة بتصرف لقطعة من الفصل السادس من أليس في بلاد العجائب

Sunday, October 14, 2007

على بياض




الصفحة البيضاء هي الموت، هي قبري الذي ينتظرني. افتحها وانظر فيها فتحدق هي فيّ، ويكون علىّ أن أرمي فيها بنفسي، أو بأي شيء آخر فداًء لي. أشق أطراف أصابعي، شقوق صغيرة، لعل الكلام ينسال منها ببساطة، ولكن البوح يستعصى على التبسيط.

أفكر: إذا أملت رأسي هكذا قد تأتي الكتابة، أو إذا شربت زجاجة مكتوب عليها "المُر"، أو إذا تنفست هواًء نظيفًا، أو إذا جلست وحدي بعض الوقت، أو إذا مشيت تجاه الحائط مباشرة وخبطت رأسي فيه. ولكن لعنتي هي أن الكتابة لا تأتي مع ميل في الرأس أو هواء في الرئة، بل تأتي وأنا متعبة للغاية، وأنا نائمة، وأنا ينتظرني الكثير من الغسيل، وأنا أقود لمسافة طويلة وبجواري يجلس حوار مُجْهِـد.

الصفحة البيضاء هي النداهة: تهمس من بعيد، فأترك كل شيء وأتبعها؛ أقوم من النوم، أترك حوار في منتصفه، أنظر دون أن أرى، أفتعل تعبيرات بوجهي دون أن أسمع أي شيء مما قيل، وتنغلق كل حواسي وأسير بالدفع الذاتي.

لا أستطيع أبدًا أن أفتح صفحة بيضاء وأجلس أمامها في انتظار الكتابة. ولكن تأتيني كلمة، فأُمسك بمقشة كبيرة وأكنس دماغي من الداخل جيدًا، ثم اغسلها من فوقها لتحتها بماء بارد والكثير من الصابون برائحة اللافندر، ثم اجففها، وأُفسح المجال لتلك الكلمة لتأخذ أي شكل تريده. من هذه اللحظة لا تصبح دماغي فوق رأسي، ولا أستطيع أن أتحكم فيها، ولا حتى أن أتذرع بهرشها لأتأكد من أنها مازالت هناك، أعلى رقبتي.

يمكنني في أي وقت أن أغمض عيني، فأرى دماغي وكأنها جهاز صُنع غزل البنات: تضع السكر في منتصفه، وتضع العصا الصغيرة في الجهاز وتديره. يسخن الجهاز، وتتجمع حول العصا خيوط رفيعة من الغزل، وتظل العصا تلف وتدور، والغزل يكبر ويكبر، وهناك طفل يبكي لأنه يريد غزل البنات الآن.. فورًا، وآخر لا يريد أن تكون له أية علاقة بكل هذا اللف والدوران. لا تتوقف دماغي عن الدوران أبدًا. يتجمع الغزل ويملأ زوايا وأركان دماغي، بل يتجمع ويتجمع ويغطي أثاث دماغي، وكل أجهزته الكهربائية. وأجدني، في المرة التالية التي تأتيني فيها كلمة، أغرق في كل هذا الكم من غزل البنات، ويكون علىّ، في كل مرة، أن أبدأ من البداية لأفك كل هذه الخيوط.

الصفحة البيضاء هي الاحتمالات اللامتناهية، هي الشاسع والمطلق والرحِب..

.. ويكمن فيها أيضًا احتمال الخرس. تصبح الصفحة البيضاء عندها موت هزلي، غير بطولي بالمرة، ونهاية لحياة ماسخة مرت دون أن يلاحظها أحد، ولا حتى صاحبتها. تصبح الصفحة نقطة في نهاية جملة العَيْش.

غزل البنات..

سكر نبات..

تبات ونبات..

صبيان وبنات..

لكن – في الواقع – أبوك السقا.. مات.

* الصورة إهداء خاص من يسرا

Wednesday, August 22, 2007

المرجيحة





لأنها تخاف المرتفعات، لم تثق أبداً في قمة السعادة...ولا قمة التعاسة. تجلس دائماً على المرجيحة المعلقة بين القمتين. فكل سعادة تحمل نُذُر تعاستها، وكل تعاسة تحمل بشائر سعادتها. في السعادة، تتذكر الغائبين، وتتساءل عن دوام تلك السعادة. في التعاسة، يخرج لها القط مبتسماً فجأة من وراء الستائر، أو تأتي قهوتها مضبوطة. من على المرجيحة وصلت إلى الحكمة: كل شيء نسبي، والحياة مراحل.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تسع أبداً لقمة السعادة أو قمة التعاسة. ولكنها، ولقِصر قامتها، لم تستطع أيضاً أن تلمس أرض الواقع أو قاع الوهم. لذلك تقضي وقتها على المرجيحة، تدغدغ الهواء بقدمها وتدندن بجدية. وإذا رأت الشمس ساطعة، أخذت معطفها؛ وإذا هبت عاصفة مطيرة، أخذت المايوه.

* الصورة إهداء خاص من ماعت

Thursday, May 10, 2007

إمبارح كان عمري عشرين






والنهارده تلاتين!

الاحتفالات تعم البلاد، وأنا فاتحة شباك الأحلام ع الآخر وسايبة باب القلب مردود...لما نشوف :)

اللوحة لسلفادور دالي



Saturday, April 21, 2007

طاقة نور


هناك نافذة صغيرة، "طاقة نور"، يمكنها—إذا وضعت الكرسي الطويل تحتها—أن تسند ذقنها على حافتها لترى السماء. لا جزء من السماء، ولا لون من السماء، ولكن السماء...كلها. تجلس لساعات طويلة شاردة، مؤمنة بأن بعد عدد معين من الساعات ستنطبع السماء على روحها...كلها.

تراهم يحلقون هنا وهناك، متشابكين أو متفرقين، مقتربين أو مبتعدين. عادةً لا تستطيع التمييز بين ذهابهم وإيابهم. قد ترى حرف هنا، وآخر مشبوك فيه، الهاء تجر الراء، والراء تجر الباء، ثم تفلتها وتحلق وحدها. بعد الكثير من المراقبة أدركت أن لديهم رسالة ما، ولكن ليس لديهم خطة محددة. مثلها تماماً. تراهم فرادى وجماعات، حروف أو كلمات، وتشفق عليهم لأن كل جهودهم معها تذهب سدى. تتمنى لو يقتربوا ويرتطموا بوجهها، فيسيل الكلام من النافذة منيراً السماء وغاسلاً الروح.

. . . . . . . . . . .

هناك كيان ضخم لزج، بني اللون، ليس له ظل، يزحف متلصصاً في أرجاء الكون، يطفئ في طريقه كل الأنوار، ويعتصر كل الآمال، ببطء وروية. لا داعٍ للاستعجال. كل سينطفئ في وقته. تراه بطرف عينها يقترب. لا تنظر خلفها أبداً. تشعر بالأنوار تنطفئ من حولها، الواحد تلو الآخر، ولكنها تعرف أن في اللحظة التي ستعترف فيها بوجوده، ستنطفئ. تركز بصرها على طاقة النور وتجلس منتظرة.

. . . . . . . . . . .

هناك طائر أسود كبير، كبير، يعرف اسمها وتعرفه من طيرانه الأعرج، وعندما ينادي عليها ستضع الكرسي فوق الكرسي وتقفز.

. . . . . . . . . . .

هناك نافذة صغيرة، "طاقة نور"، يتدلى منها حروف بنية، وريش أسود، وحلم بسيط، ونور خافت، وبعض السحابات الخاوية.

Monday, March 26, 2007

كلمة واحدة

Monday, February 19, 2007

الحواديت في الشارع


لأول مرة من ساعة ما بدأت اكتب حد يقوم بتحليل جاد لكتابتي. اختلف واتفق مع التحليل في كام نقطة هنا وهناك، لكن بشكل عام أنا ممتنة للغاية لعبد الحق على وقته وجهده وقراءته وعرضه. أينعم أنا حاسة إني بعد كل التحليل ده مش هاعرف اكتب تاني أبداً، لكن قراءة الكلام ده أفادني جداً في تقييم نفسي ومراجعة فكرتي عني وعن اللي بكتبه...ودي حاجة كنت محتاجة أعملها من زمان :)

Sunday, February 04, 2007

أيام القط الأسود



أنا أحيا حياة بسيطة للغاية. في أغلب الأيام أستيقظ من النوم قبل المنبه بدقائق، وأستعد لمقابلة الدنيا، وأنزل للشارع. أقابل القط الأسود، وينقبض قلبي، وأبدأ يومي. ظل القط الأسود هو أول من أراه في الشارع صباح كل يوم، سواء كنت في القاهرة، أو الأسكندرية، داخل مصر أو خارجها، في مدينة نصر أو المعادي أو المهندسين. أيام عملي في مصر الجديدة، كان إذا لم يقابلني في الصباح أسفل عمارتي، أجده يمشي على سور الحديقة التي يطل عليها شباك مكتبي. نفس القط الأسود، بنفس العيون الخضراء، ونفس التعبير اللامبالي. إذا كان اقترب مني في أي يوم من هذه الأيام طوال السنوات الماضية، لقلت إنه روح تحرسني، أو شخص أعرفه محبوس في جسد قط. ولكن كلا، لم يحاول القط الأسود أبداً أن يقول لي شيئاً. مع الوقت أصبحت أبحث عنه كل صباح، وأقلق إذا لم أجده، وعندما أجده ينقبض قلبي، وأحاول أن أنظر في عينيه ولكنه يتجاهلني ويمضي.

استمر هذا النظام لحياتي طوال السنوات العشر الأخيرة، حتى بدأت مرحلة حبي للقطط من سنتين. ومنذئذ وأنا أهز رأسي للقط الأسود في الصباح محيية إياه كل يوم. وهو، شامخ كتماثيل القطط الفرعونية، لا يكترث بتحيتي ويمضي لأمور أهم.

بعد تفكير عميق أدركت أن أفضل حل للتخلص من القط الأسود هو اقتنائه. خيل إلىّ أن ربما إذا نجحت في جعله ملكي سيحبني ويفتح قلبه ويوضح لي دوره في حياتي. بدأت في رحلة بحث سرية (لإن أمي تكره القطط وما عادت ترغب فيهم بالبيت) عن قطي الأسود بعيونه الخضراء. قررت أن اسمه سيكون جعفر، وأخذت أتحدث عنه مع أصدقائي، وأضع صوره في كل مكان. رأيت الكثير من القطط السوداء، ولكن أبداً لم يكن جعفر بينهم. خطر لي أن أجري خلفه في الصباح عندما أقابله وأمسك به، ولكن شعرت أن مثل هذا الفِعل قد يعطيه الانطباع الخاطئ عني، ويجعلني أبدو كخطافة قطط، ومن سيريد أن يفتح قلبه لإنسانة طاردته في الشوارع وهزت هيبته أمام القطط المشمشية والرمادية؟

ولكني اليوم أستيقظت بقرار حاسم: أنا لا أريد أن أقتني جعفر أبداً. سيعيش جعفر في خيالي كغاية، كرمز، كتذكِرة لي بكل أحلامي التي تتسرب من يدي عندما أطاردها، وتأتيني عندما أزهدها. لا أريده حبيساً، بل حراً ووحشياً كأفكاري، حتى لو تجاهلني، حتى لو لم أعرف أبداً سبب وجوده في حياتي.

قمت من سريري وأعددت نفسي لهذا الصباح ونزلت الشارع. كان علىّ أن أسير قليلاً حتى سيارتي. نظرت بجواري وإذ بقط أبيض يقفز فوق بركة مياه كبيرة بمنتهى الرشاقة والرقي، ليهبط على الجانب الآخر بدون أن يمس الماء، ويجلس في ثبات وثقة وكأن هذه القفزة العملاقة هي أقل ما يمكن أن يؤديه من أفعال مبهرة. ضحِكت وقلت في سري: "يا سلام؟ يعني خلاص، مش عايز تبل رجلك للدرجة دي؟" فالتفت لي القط وقال "مياو"، فقلت "مياو" وهززت رأسي محيية وأخرجت مفاتيحي. وقبل أن أهم بفتح السيارة أدركت ما حدث، فجمدت في مكاني والتفتّ ببطء: نعم، إنه قط، وأبيض، وقال لي مياو. أجلت النظر حولي فيما أراه من الشارع. لا أثر لجعفر. نظرت للقط الأبيض، واقتربت بتمهل وقلت له مياو، فقال مياو، واقترب. رَبتّ على رأسه ودلكت أسفل ذقنه، فقال مياو أطول من الأولى، وأدار رأسه في يدي يميناً ويساراً ليحصل على أكبر قدر من الدفء.

استدرت وركبت السيارة، وأدرت المحرك وأنا أعرف أنني لن أرى جعفر بعد اليوم. أبداً.

Saturday, December 09, 2006

محاولة لترجمة الحياة


بصعوبة بالغة أجد مكان لسيارتي الصغيرة في شارع جانبي متفرع من شارع الشيخ ريحان. ألعن نفسي لأنني لم أفكر في صعوبة صف السيارة، وبالتالي تأخرت على حصة الترجمة الفورية، أول حصة بعد العيد. أحاول ألا أدع توجيهات السايس المتضاربة—والتي يكيلها لي بصوتٍ عالٍ كلكمات سمعية—تزعجني. ألملم أغراضي وأضع المحمول ومفاتيح السيارة في حقيبتي. التقط كراستي ثم أُعيد النظر في الحقيبة لأتأكد من وجود مفاتيح السيارة بها. أخرج من السيارة وأُعطي السايس "الإتاوة"، ثم قبل أن أغلق باب السيارة أتأكد من وجود المفاتيح في الحقيبة.

من آخر الشارع نصف المظلم تقترب مجموعة من الأولاد والبنات في سن المدرسة. أرى أن مجموعة الأولاد يسيرون خلف وأمام وبجوار مجموعة البنات. الأولاد يعاكسون البنات، والبنات يضحكن أو يسرعن أو يتمايلن أو ينهرن الأولاد. فجأة اسمع من خلفي صوت طفولي يسب البنات بأقذع الشتائم! استدير لأرى ولد لا يمكن أن يتعدى الثانية عشرة من عمره. يشتمهن ثم يجري. يتكهرب الجو. استمر في السير ببطء وأرى أن الأولاد أخذوا في الاقتراب أكثر من البنات، والتطاول عليهم بالكلام، والبنات توترن وأخذن في الرد على الأولاد. يتعالى الصياح وأنا أحث الخطى لألحق بحصتي.

(على المترجم الفوري أن يحاول فهم السياق جيداً).

يخفق قلبي بعنف حتى أشعر به يضغط على رقبتي ويكتم أنفاسي. قبل أسبوع من اليوم، وفي مكان قريب من هنا، اعتدى مجموعة من الشباب على بنات بالجملة، ليلة العيد، وفي واحد من أكثر شوارع القاهرة ازدحاماً. ما الذي يمكن أن يحدث هنا الآن؟

(وأن تكون لديه سرعة استجابة ليعرف كيف يتصرف في المواقف غير المتوقعة).

عند بوابة الجامعة الأمريكية أرى سيارة دورية شرطة. بيد مرتعشة أُخرج بطاقتي لرجل الأمن، وأرى أن هناك ضابط يتحدث مع آخر بجوار البوابة. استرد بطاقتي وأدخل المبنى مسرعة وأبدأ في صعود الدرج.

(ويجب أن تكون لدى المترجم الفوري القدرة على "ترقيع" أخطائه)

أستدير وأنزل الدرج. أخرج من البوابة لأرى الضابط مازال هناك.

(وأن يتمتع برباطة جأش وثبات وثقة بالنفس)

يهرب صوتي وأتلجلج تماماً وأنا أقول للضابط أن هناك، على ناصية هذا الشارع، نعم، هذا الشارع، بعد تلك الناصية، نعم نعم، هذا هو، على ناصيته هناك مجموعة من الأولاد يتبعون مجموعة من البنات، ويضايقونهن.

(وعليه أن يتحكم في نبرة صوته وتنفسه ومخارج ألفاظه)

يحاول الضابط أن يفهم مني أكثر فأجد نفسي عاجزة عن تكوين جمل بسيطة. تتفكك الكلمات في عقلي فأُدلي بها كما هي: الشارع...ولاد...وبنات...ضلمة...هناك...دلوقتي.

(وأن يعرف أن ليس عليه سوى توصيل 70% من المعنى ، ولكن يجب أن يركز ليعرف أين المعلومة المراد توصيلها)

يطمئني الضابط أنه سيذهب فوراً لتفقد الوضع، ويسألني عن الشارع مرة أخرى، قبل أن يعود لاستكمال الحوار مع زميله.

استقل المصعد هذه المرة. أدخل المعمل وأرمي بنفسي في أول كابينة، ألملم أطرافي حولي وأرتجف في مقعدي بصمت. بعد ربع ساعة، وعندما لاحظت أستاذتي أنني أنظر لها بتركيز شديد وبدون أن يطرف لي جفن، وأنها تتكلم وأنا لم أُخرج كراستي بعد أو أضع السماعات حتى، أوقفت التسجيل وسألت: "في إيه يا رحاب؟" ففتحت فمي فلم يخرج سوى: "أنا خايفة أوي".