Monday, November 30, 2015

من لم يمت بالسيليبركس



صدمه صديقه الطبيب صدمة بالغة عندما حذره من الاستمرار في تناول دواء سيليبركس، فالأبحاث الجديدة ربطت بينه وبين الأزمات القلبية. اعتراه غضب عارم جاء من حيث لا يدري؛ هذا هو الدواء الوحيد الذي يريحه من آلام الظهر المزمنة، كيف يُمنع بهذه البساطة؟ وما البديل؟ يشعر بخيبته وقلة حيلته وهو يردد بينه وبين نفسه "ما البديل" بهلع يليق بمذيعي برامج التوك شو.
        مر على زينب في مكتبها، وبمجرد ظهوره في إطار بابها سألته عما به. حكى لها فنصحته باليوجا، وطبعت له من على الإنترنت تمرينات لتقوية عضلات الظهر، ولامته على عدم طلب تغيير كرسي المكتب من إدارة المشتريات كما نصحته من شهور، وذكرته بضرورة أن يجلس دائما بزاوية مستقيمة، و"افرد كتافك وانت قاعد، وافرد ضهرك وانت ماشي". في خمس دقائق، وهو مرتاح على الكرسى الوثير أمام مكتبها، مستمعا لموسيقى ناي عذب في الخلفية تنبعث من الكمبيوتر، حلت له كل مشاكله ووضعت له خطة علاج. يمزحان دائما حول الكرسي الوثير وميلها لتقديم النصائح والحلول، ويعرض عليها أن تأخذ "فيزيتا" بدلا من أن يدفعها للطبيب النفسي الذي زاره مرتين ثم اختلق مئات الأعذار ليتهرب منه.
        أنهى عمله وقام من المكتب متحاملا ومتفاجئا بهجمة الآلام على ظهره كالعادة بعد يوم عمل طويل قضاه جالسا. لبس حذائه الذي يحب أن يجلس على المكتب بدونه طوال اليوم، وجز على أسنانه وهو يحاول أن يحشر قدمه في الحذاء الذي أصبح ضيقا مع تورم قدميه على مدار اليوم. ركب سيارته وأخذ يعدل من وضع المخدة الطبية خلف ظهره، وهو يسب السايس الذي يغير ضبط الكرسي كلما أخذ السيارة ليركنها، ويقطم هو وسطه حتى يعيده للوضع السليم.
        في بطء متعمد أخذ يصعد الطوابق الأربعة وصولا لشقته، محاولا ألا يرهق ظهره. عند الطابق الثاني وصلته رائحة القلي. هي في المنزل إذن. أبطأ أكثر من خطواته. من لم يمت بالسيليبركس مات بغيره. يمكنه أن يستمر في تعاطيه كل يوم قبل النوم حتى يصاب بأزمة قلبية ويموت ويستريح للأبد من أوجاعه. باذنجان مقلي، وربما سمك. أو كلاهما، فهي لا ترى غضاضة في قلي أي شيء بعد أي شيء آخر. الله يرحمك يا أمه، انتي اللي عودتيني على إن كل أكل يتقلي في زيت لوحده.
        هي في المنزل إذن، فستحتل الكنبة السليمة الوحيدة في البيت بعد الغداء، وسيبقى له الكرسي ذو القاعدة الساقطة، أو الكنبة الهابطة الأخرى. لن يستطع أن يفرد ظهره على السرير، فهي دائما لديها طلبات منه فور عودته من العمل؛ لمبات يجب تغييرها، "سيفون" يجب إصلاحه، عيش للإفطار نسيت أن تطلبه من البواب وعليه أن ينزل ليحضره، "ولا مانفطرش بكره يعني؟". أحسن، فمرتبة السرير ذات السوست تؤلمه أثناء النوم أصلا.
        فتح باب الشقة فكاد أن يسقط على وجهه بعد أن تعثر في أكياس كثيرة ملقاة في المدخل. يا ربي، ما هذا الغباء؟ حاول أن يعلو صوته فوق ضجيج المسلسل التركي في التلفزيون وصراخ الطفل وصوت تخبيطها في المطبخ في سيمفونية تحضير الغداء، "سلامو عليكم!".
"اعمل الرضعة للواد! الأكل ع النار! بسرعة الواد جعان!".
كسوبرمان -بعد أن جار عليه الزمن- أخذ يخلع ملابسه بسرعة في المسافة من باب الشقة لغرفة ابنه، ليتحول من الموظف المطحون للزوج المسحول. حمل الولد وشرع في تهدئته بينما يسخن الماء للرضعة، وهو يتطلع حوله في أرجاء المطبخ. ساحة حرب، وكل هذا من أجل ما اتضح أنه سمك مقلي. الله يرحمك يا أمه، كيف كنتي تفعلينها؟ أطباق متنوعة شهية تكفي سبعة أشخاص بدون جعجعة ولا قعقعة ولا روائح مُقلقة. سأل عن مصدر السمك قالت إن أمها اشترته ونظفته وتبلته وأرسلته لها. ملكة متوجة والله.
        رضع الولد ونام، وجلسا ليتناولا السمك في صمت. وجود العيش على السفرة ملأه سعادة وامتنانا؛ مشوار لن يقوم به.
"وليد قال لي ما آخدش السيليبركس تاني، عملوا أبحاث عليه طلع مضر للقلب".
"إيه السيبيكس ده؟".
"الدوا المسكن اللي بآخده كل يوم . . . بتاع آلام الضهر ده".
تكمل المضغ لدقائق ثم تقول بعد تفكير: "خد اسبرين".
تجاهل الفكرة المتخلفة: "المشكلة إن مفيش كرسي واحد مريحني؛ لا كرسي المكتب في الشغل، ولا كرسي العربية، ولا الفوتيه ولا الكنبة هنا. حتى مرتبة السرير بتتعبني".
"ليه مالها الكنبة!".
كاد أن يقول: "ما إنتي مش حاسة بحاجة يا باردة علشان دايما محتكرة الكنبة السليمة"، لكنه دفن هذه الفكرة وتجاهل اعتراضها واستمر: "نفسي يزودوني زيادة عِدلة أول السنة، واشتري طقم انتريه جديد مريح".
"إيه! لأ! أنا قلت لو أخدت زيادة هنجيب طقم مُدهب! سنتين وأنا صابرة وراضية، لكن لأ، مش هكمل حياتي من غير طقم مُدهب!".
استدرك نفسه قبل أن تفلت من لسانه "ما تنزلي تشتغلي وتجيبي الطقم المدهب يا كنبة" وآثر السلامة. شغل نفسه بتفصيص السمك (بنكهة الباذنجان) والتركيز في الأكل، وأخذ يمني نفسه بأنه غدا سيمر على زينب في مكتبها وسيجلس أمامها في الكرسي الوثير، تحيط به رائحة اللافندر التي تحب أن ترشها في المكتب، وسيتناقشا في رواية "الحب في المنفى" التي اختاروها في نادي القصة بالشركة لهذا الشهر.
استغرق في اللحظة الجميلة حتى فوجئ بالسؤال: "بتضحك على إيه؟". نظر لها في ذهول كأنه يراها لأول مرة في حياته ثم لملم شتات نفسه سريعا: "إنتي عارفة إني بحب البتنجان".
"ده سمك".
"والسمك".

8 comments:

  1. This comment has been removed by a blog administrator.

    ReplyDelete
  2. من اول شي قريتو الك "ارز باللبن لشخصين" وانا بتابعك
    رائعة وبتابع كتاباتك

    ReplyDelete
  3. مصمم مواقع انترنت محترف | متخصص في تنفيذ مواقع للشركات والهيئات الحكوميه والمواقع الشخصية | تصميمات
    متجاوبة مع الاجهزة الحديثة والتابلت | تصميمات احترافيه | تصميمات راقيه | تصميمات جذابه وعصرية | تصميمات ابداعيه
    http://samydesigner.com

    ReplyDelete
  4. طريقتك في الكتابه روعه

    ReplyDelete