Thursday, April 14, 2005

رحـيـل




سترحل. لأول مرة خلال الشهر الماضي تصدمها هذه الكلمة: سترحل. في خضم كل الترتيبات والتجهيزات، الحجز وتأكيد الحجز، التسوق وإعداد الحقائب…فقدت إحساسها بالرحيل. والآن أدركت حقيقة الوضع: سترحل. بالرغم من كونه أمراً متوقعاً إلا أن إدراكها له في هذه اللحظة فاجأها. إنها—فعلاً—سترحل. ‏

تنظر حولها متفقدة المكان بدون أن ترى. تسقط عيناها على اللوحة التي صنعتها بنفسها والتي تحتل حائط بأكمله من غرفتها الصغيرة. تمتلئ اللوحة بالصور والقصاصات والأقوال المأثورة وتشكيلة متنوعة من الأشياء التافهة التي ارتبطت بالتفاصيل الحميمة لحياتها. كل ما هو بسيط ولكن رائع. تجذب انتباهها قصاصة من الورق: "يندفع المغفلون حيثما تخشى الملائكة أن تطأ المكان"*. تهز رأسها وتدمدم لنفسها: "أحسن من قراية الكف!" اعتادت منذ أن بدأت في تجميع هذه اللوحة على أن تختار كل يوم قول مأثور من القصاصات المتناثرة على اللوحة لتتأمل فيه طوال اليوم أو تأخذه كشعار لليوم حتى. واليوم...؟ هل يندفع المغفلون حقاً حيثما تخشى الملائكة أن تطأ المكان؟ وهي...؟ هل هي مندفعة في الاتجاه الخاطئ؟ أو—أسوأ—أهي مندفعة لأنها تخشى أن تطأ الطريق الصحيح؟ والأهم من كل ذلك: أمغفلة هي...أم ملاك مغضوب عليه؟‏

تبدأ في إعداد قائمة لترتيب الحقيبة لأن هذه المرة إذا نَست شيئاً لن تتمكن من العودة لاسترجاعه. تحاول أن تركز في القائمة لتأخذ عقلها بعيداً عن أفكار الوداع التي تطاردها ولتؤخر حزم الحقائب قدر الإمكان. ‏

تفكر: حزم الحقائب...ويأخذ عقلها منحنى آخر. كيف ستحزم حقائبها؟ كيف يمكنها أن تلملم عمرها في حقيبة؟ ما الذي ستأخذه وما الذي ستتركه؟ ما المهم وما ليس ذو أهمية؟ ما الثقيل وما الخفيف؟ ما الذي يمكنها أن تأخذه وهي مطمئنة إلى إن النظر إليه لن يفطر قلبها وهي هناك؟ وما الذي يمكنها أن تتركه وهي مطمئنة إلى إن تذكره لن يفطر قلبها وهي هناك؟ وفي النهاية...ما الذي يعنيها فعلاً؟ هل عليها أن تحزم حقائبها استعداداً لفترة إقامة طويلة أم قصيرة؟ وكيف يمكنها أن تضع خطط طويلة الأجل وهي ليست متأكدة من مدى "طول" هذا الأجل؟ وهل الوطن هو فعلاً "وطن المحبوب"؟ الكثير والكثير من القرارات التي عليها أن تحسمها الليلة وكل ما ترغب فيه هو نزهة طويلة سيراً على الأقدام. ‏

عندما رحلت في المرة السابقة أقامت حفلة وداع لنفسها. تصرف متوقع منها تماماً! ولكن هذه المرة تتمنى لو كان بإمكانها الاختفاء وحسب. وهذا شيء آخر ينبغي عليها التفكير فيه: بمن ستتصل؟ على من ستمر؟ وخلف ظهور من ستتسلل؟ الهروب الكبير. لآخر مرة. يا رب!‏

....

أغسطس 1997

أمسية خانقة الرطوبة كعادة أمسيات أغسطس.‏

تقابلنا كلنا في المكان الذي نسهر فيه دائماً. إنه حفل وداعي وعيد ميلاده. يا للقسوة. أصوات...ضحكات...حفيف ورق الهدايا المزعج...موسيقى صاخبة...وصمت مدوي في أذني. اقفز من مقعد لآخر، اضحك هنا، أالقي بتعليق هناك، وأتقافز بين المواضيع والأشخاص. أتحاشى لقاء عيني بأي شخص أو البقاء لوقت أكثر من اللازم بجوار أي شخص. ‏

تنظر لي الصديقة ذات العيون الطيبة عن كثب وتمسك بيدي لتبقيني بجوارها: "إنتي مجنونة. إنتي عارفه إنك مجنونة. مش لازم تسافري. إزاي تعملي كده؟ إنتي ادامك كل حاجة..."‏

أقاطعها لأردد كلمات ديكنز مقلدة صوت عجوز حكيم: "...كان كل شيء أمامنا، كنا جميعاً متجهين مباشرة للجنة، كنا جميعاً متجهين مباشرة للاتجاه الآخر". **

"بطلي تهريج! كلميني هنا...أنا عارفه إن ماينفعش تغيري رأيك دلوقتي، لكن أنا محتاجه أفهم وإنتي بتجري بقالك شهر وبتلفي حوالين نفسك وبتتجنبيني. إديني سبب واحد مقنع".‏

اجلس في صمت.‏

"إنتي طول عمرك شخصية مقاتلة، لكن ليه دلوقتي أنا حاسة إنك سيبتي سلاحك؟"

يباغتني كلامها تماماً. لم أتخيل إن بصرها حاد لهذه الدرجة. انظر لها مصدومة، وبالتأكيد رأت الذعر في عيني لأنها احتضنت وجهي بين يديها وقالت: "أنا برضه عارفه إنك فكرتي في الخطوة دي كويس أوي، وإن—بطريقة مجنونة ولا منطقية وغبية جداً—إنتي عارفه إنتي بتعملي إيه". تبتسم وتقبلني وتترك يدي. اجلس بجوارها يملؤني بخواء رهيب ووهن مُعجز. ‏

أخيراً الملم بقايا شجاعتي واذهب لأجلس بجواره. ابتسم ابتسامة كبيرة لا تصل إلى عيوني القلقة.‏

يقول: "ها؟"‏

"ها أنت..."

يبتسم. "ها...مسافرة؟"‏
"أيوه...وأنت وافقوا لك على الهجرة"
"أيوه...وإنتي مسافرة..."
"أنت عارف بقى، أنت دايماً تقول إنك بتقرا الكف لكن عمرك ما عملت كده. أظن مافيش وقت أحسن من دلوقتي علشان تشوف لي بختي! أنا أكيد محتاجة أعرف إيه اللي مستخبي لي هناك"
"أكيد...مافيش وقت أحسن من دلوقتي. هاتي إيدك وتعالي هنا في النور"

يمسك بيدي ويتفقد خطوطها عن كثب. يقشعر بدني. ‏

"بردانة؟"
أقول "لا" بشفتي دون صوت، مدركة إن البرودة برودة الروح وليس الجسد. ‏

"خط الحياة عندك طويل. وخط الحب بيتقاطع مع خط الحياة بدري في حياتك. لكن هتحصل لك حادثة. اممممم...حادثة هتأثر على خط الحب وخط الحياة في نفس الوقت. وشايف نقطتين: يمكن يكونوا ساعتين، يومين، أسبوعين، أو سنتين. مش عارف دول إيه".‏

على غير عادتي اضحك بصوتٍ عال محاولة إبقاء الهيستريا على مسافة آمنة. "يعني من الآخر كده أنت بتقول إني مفروض أبعد عن الحب علشان أعيش حياة طويلة وأنا بصحتي وعلشان أتفادى أي حوادث غير مرغوب فيها؟ حضرتك بتقول إني هاحب فعلاً، زي ما حلمت طول عمري، لكني هاقضي باقي حياتي "القصيرة" أرملة مكسحة كسيرة الفؤاد؟ ده ماكانش تصوري عن حياتي خالص!" ‏

يثبت عيناه في عيني ولا يدعني انظر بعيداً: "لأ...اللي بأقوله إنك لو حبيتي لازم تبقي مستعدة إنك تدي حياتك فدا الحب ده".‏

ننظر لبعض في صمت للحظة ثم اسحب يدي من يده في ارتباك وأقول: "أنا مبسوطة إنك ما اخدتش قراية الكف كمصدر أكل عيش...كان زمانك مقضّي معظم وقتك بين السجون وعنابر الكسور في المستشفيات!" أبرز له لساني لأغيظه وأغمز بعيني. يضحك بلا مرح. أقوم من جواره واحلق بعيداً. ‏

نبدأ مراسم احتفالنا بعيد ميلاده ثم "الاحتفال" بسفري. الجو العام كوميدي جداً وشلة الأصدقاء مصممون على إنني لن أصمد هناك أكثر من شهر واحد. يهددونني بالقدوم إلى المطار لتوديعي مصطحبين مجموعة كبيرة من القلل ليكسروها بعد إقلاع طائرتي. اضحك بشدة وأقول: "ومين قال إني هأقول لكم على ميعاد سفري؟!" تُفزعه هذه الفكرة وينظر لي بتفحص، يحاول أن يكتشف أين تنتهي المزحة وتبدأ الحقيقة. تفشل محاولته وأرى يأسه يبدأ في الظهور على السطح. ‏

يسأل بهدوء: "راجعه امتى؟"‏
"امممم...بعد اتنين..."
"اتنين إيه؟!"
"ساعتين...يومين...أسبوعين—"
"ماشي ماشي...خلاص...كنت باهرج معاكي على النقطتين دول! محدش يعرف يهرج معاكي أبداً؟! ده إنتي قلبك أسود بشكل!"‏
اضحك ثم أقول بهدوء: "وأنت راجع امتى؟"‏
"معنديش أي فكرة..."
"هنفضل على اتصال؟"
"ما أظنش. على بال ما استقر هناك، وعلى بال ما تستقري إنتي هناك، هيبقى مافيش معنى إننا نكون على اتصال أصلاً".‏

أخيراً جاء وقت الرحيل: مصافحات، أحضان، قبلات، ثم ألوح للجميع وانحني في حركة وداع مسرحية ثم بصوت عال يجاهد ليظل مرحاً أقول: "أشوفكم بكره يا كتاكيت!" ‏

يمشي معي حتى الباب. نقف عند المدخل في صمت. يمد يده فآخذها. ‏

يقول: "هابقى أشوفِك لما أشوفِك بقى".‏
"هاشوفك لما أشوفك، لكن أنا عارفه إنه هيبقى مش بعد وقت طويل زي ما أنت متخيل".
أغمز بعيني، يبتسم، ابتسم وأدير له ظهري وامشي بثبات. استقل طائرتي في صباح اليوم التالي بلا خوف. ‏

.......

واليوم؟ كيف سيكون الوداع؟ لقد حرصت على ألا تبوح لأحد بموعد رحلتها الحقيقي. قررت أنها ستتصل بهم من المطار لتقول إنها كانت على قائمة الانتظار وأن حجزها قد تم تأكيده في آخر لحظة. تعرف أن ذلك سيكون تصرفاً قاسياً منها ولكنها تعرف أيضاً أنها ليست شجاعة كما كانت من قبل. كما تعرف أن هذه المرة "هتشوفهم لما هتشوفهم" لكن ليس قريباً كما يظنون. ولكنها معذورة: عليها أن تعتني بنفسها وهي تعرف أنها لن تقدر على الوداع هذه المرة. لم تعد صغيرة وبالتالي أصبحت تخاف الكثير من الأشياء. ‏

تلعن عقلها لأنه لا يتوقف عن الانسياق هنا وهناك حسبما تأخذه أفكارها. تُجبر نفسها على التركيز ولكنها تعرف أن كل محاولاتها للتفكير المنطقي الليلة ستبوء بالفشل فعقلها يدبر انقلاب. ليس هناك أحد يُلام على هذا سواها: فلقد دربت عقلها دوماً على ألا يطيعها. ‏

كلما حاولت أن تجهز حقيبتها كلما ازداد الأمر صعوبة: كل قصاصة ورقية، كل صورة، كل شيء على منضدتها أو مكتبها، كل شيء في دولابها...كل شيء...كل كل شيء يذكرها بأشياء أخرى ويفتح عليها أبواب تأخذها في دهاليز تعود منها أكثر ضياعاً. تقضي وقتاً أطول مما تخيلت في الترتيب، تتوقف عند هذا وذاك لتتذكر قصة أو ضحكة أو دمعة وراء كل شيء تختار أن تأخذه أو تتركه. والقصة تأخذها لأخرى...ثم لأخرى...وأخرى...تدور وتدور وتدور...طواحين عقلها قد أصابها الجنون. تقرر أن تترك ألبومات الصور. لا داع لأخذهم هذه المرة فهي لن تنظر فيهم. أبداً. ‏

تتصل بسائق الأجرة الذي تتعامل معه ليأخذها للمطار، وتنادي على حارس البناية ليأخذ حقائبها. تترك كل شيء على حاله. ستأتي أختها غداً لتنظف المكان وتغلق الشقة. أرادت أختها أن تقوم بذلك ولم تقاوم هي. لم ترغب في أن تغلق النوافذ وتطفئ الأنوار. تنزل الدرج فتفاجأ بصديقتها ذات العيون الطيبة (الآن محجبة ومتزوجة وتنتظر مولودها الأول) في انتظارها عند مدخل البناية. ‏

"أنا كنت عارفه إنك هتعملي حاجة زي كده. إزاي؟! إزاي يجيلك قلب تعملي كده؟!"
"يا خبر! والنبي ماتزعلي! أنا ماكانش قصدي امشي كده...عشان خاطري ما تزعلي...كل حاجة حصلت فجأة!"
"يا خاينة!"

تتركها صديقتها وتعود لسيارتها تبحث بداخلها عن شيء ثم تعود لها بمظروف كبير.‏

"أنا جبتلك دي. اتصرفي بقى...شوفي لها مكان في شنطك. مش مشكلتي إنك قررتي تهربي كده!"

تفتح المظروف لتجد لوحة صغيرة لعصفور ناصع البياض يطير بحرية خارج قفصه في سماء زرقاء رائعة. العصفور يبدو سعيداً وهادئ البال، القفص يبدو صغيراً ولكن قوياً، والسماء تعد بالكثير. ‏

"دي...دي...يعني...مش عارفه أقول إيه...دي جميلة أوي! ده رسمك إنتي؟!"
"لأ يا بطيخة. أجّرت رسام متنكر وخليته يرسمك من غير ما تاخدي بالك! طبعاً أنا اللي رسمتها! مين تاني عارفك كويس زيي كده؟" تبتسم وتمتلئ عينيها حناناً. ‏

تسأل بجدية وحزم: "مين أكتر واحدة صاحبتك في الدنيا دي؟"‏
"إنتي".
"ومين اللي هتكون دايماً موجودة وقت ما تحتاجيها؟"
"إنتي".
"ومين يا هانم اللي هتوصلك المطار دلوقتي لأنها طلعت أذكى منك بمراحل وفقساكي؟ مين؟!"
تضحك وتضحك وهي تحاول ألا تبلل دموعها اللوحة: "إنتي!"‏
"كان نفسي تكوني موجودة لما أولد. كنت عاوزاكي تبقى أول حاجة ابني يفتح عينيه عليها".
"ما تخافيش يا حياتي، أنا قريت إن الأطفال مش بيفتكروا أي حاجة عن حياتهم قبل سن تلات سنين، وأوعدك إني هاكون هنا قبل ما يبقى عنده ذاكرة أصلاً". ‏‏‏
تضحك وتهز رأسها: "أنا عارفه إن لسه عندك وقت على ميعاد الطيارة. تعالي نتمشى شوية". لا تجادلها. تأخذ يدها وتسيران.‏

تسألها صديقتها: "إنتي عارفه يعني إيه وطن؟"‏
"ما أظنش إني بقيت عارفه إجابة السؤال ده خلاص".
بطيخة...كالعادة...هتعيشي وتموتي بطيخة! الوطن يا حياتي هو المكان اللي لما ترجعي له هيرحبوا بيكي وياخدوكي وسطهم غصب عن عينهم. إنتي عارفه كده مش كده؟ عارفه إن إحنا دايماً هناخدك وسطنا في أي وقت ترجعي فيه؟"‏
"بطريقة مجنونة ولا منطقية وغبية جداً...أنا عارفه ده".

في طريقهم إلى المطار والمناظر تتسارع أمامها تفكر: "إن...يمكن...يمكن أنا مش شجاعة زي ما كنت... يمكن أنا بقيت أشجع. ويمكن...احتمال يعني...إني مش مندفعة ولكني ماشية بشويش أوي في الاتجاه الصح. ومعايا الدليل مرسوم في لوحة وكله حب. ‏

..........................

*من قصيدة "مقال عن النقد" للشاعر الإنجليزي ألكسندر بوب

** من رواية "قصة مدينتين" لـتشارلز ديكنز

Saturday, March 19, 2005

حنين


لن تصدق ما الذي فعلته الطفلة اليوم: أتت برزنامة حائط كبيرة، وحسبت الأيام منذ آخر مرة رأتك، وعندما وجدت أنها لا تستطيع العد بعد المئتين رمت القلم الأحمر الشمعي الصغير من يدها وزفرت بغيظ وصرخت: "يوووووووووه!! يووووه بقى!!!" وركلت الرزنامة والقلم، ووقفت في وسط الحجرة وأخذت تقفز وتدب بقدميها على الأرض في حنق وهي تهتف بأعلى صوت: "وحشتني بقى!!! بقى!! وحـشـتـنـييييييييييي!!!" قبل أن ترتمي في حضني باكية.

تطلب الأمر مني حدوتة عنك، وقطعة شوكولاتة بالبندق، ونزهة سيراً على الأقدام حتى محل البراويز لنعطيه صورتك ليضعها في برواز خشبي، ذو لون عسلي دافئ يلائم لون عينيك، لتضعها بجوار سريرها كمبادرة صلح مؤقتة. هي الآن نائمة تعلو وجهها ابتسامة صغيرة، بينما أطوف أنا في المنزل على أطراف أصابعي، أمزق كل الرزنامات وأعيد الساعات إلى ما قبل المئتي ليلة وليلة.

Friday, March 18, 2005

طق حنك


تقول إنه إذا وجدت نفسي غاضبة أو حزينة فجأة فلابد أن شيئاً صغيراً قد حدث ضايقني أو أحزنني، ولكنني لم أنتبه له في حينه. قررت أن اراجع ما حدث في الأيام الماضية لأعرف ما هو الشيء الصغير الذي ضايقني وجعل ضيقي يتراكم حتى أكاد الآن أن انفجر.

يوم الخميس بدأ جميلاً جداً. بعد أمطار غزيرة أشرقت السماء، وبدا كل شئ منيراً من الداخل. حتى أنا...كنت منيرة من الداخل، فلقد صَحِبتني إلى عملي. في المكتب أنجزت الكثير وخرجنا جميعاً للغداء سوياً، الفريق الإبداعي المكون من أربعة عشر شخصاً. مطعم على الطراز المصري سمعت عنه كثيراً ولكن أدخله لأول مرة. التقطت لك بعض الصور. جلست على أريكة على رأس الطاولة الكبيرة، واندسست بين الجالسين، وخلعت حذائي وثنيت رجلي اليسري تحت مني، وأخذت في الكلام والضحك والتعليق. أحب زملائي في الفريق، واستغرب من الطريقة التي تأقلموا بها علىّ في الشهور القليلة الماضية، فلم يعد يزعجهم كلامي المتواصل، أو غنائي بصوت عالٍ، أو تعليقاتي وضحكي وجنوني وحتى رقصي أحياناً. رغم أنني لست أصغرهم (هناك ثلاثة أصغر مني في الفريق) ولكنهم يتعاملون معي على أني الصغيرة التي يأخذونها على قدر عقلها. لا أمانع. في الواقع استمتع بحقيقة إنني أحبهم ولكني لست مرتبطة بهم. أعرف في قرارة نفسي أنه يمكنني في أي وقت أن ألخص تجربة هذه الوظيفة، وأجمع أشيائي المتناثرة على المكتب وفي الأدراج، وأعود للعمل من المنزل بدون حزن كبير أو أسف عميق. لقد تجاوزت كل ذلك بعد أن تركت أول وظيفة أحببتها. حينها بكيت حتى لم أعد أقو على فتح عيوني ولزمت الفراش. حتى الآن أذهب أحياناً لزيارتهم ولكن بدون حنين أو مرارة أو أسف. أشعر أنني أزور مدرستي القديمة، وأعرف أنني تجاوزت مرحلة المدرسة.

الأكل جميل، وعلى الرغم من أن الطبق الذي اخترته لم يعجبني، فلقد جربت كل أطباق زملائي. يُطلق علىّ أخي وابن خالتي لقب "رحاب هات حتة"، لأني أحب دائماً أن أجرب أطباق الآخرين. كل شيء مريح ومرح وهادئ. أشعر برغبة في النوم وسط رقرقة الضحكات والكلمات المتناثرة هنا وهناك. تنجدني القهوة وتعطيني نَفَس ثان. وفجأة يقول مديري إنه سيجلس معي يوم الأحد ليناقشني جدياً في العديد من المواضيع لأنه غير راضٍ عن عملي. أتوتر. هذه هي اللحظة التي بدأ فيها الغضب.

بعد الغداء والمشروبات بدأ الناس في الانصراف. بقينا أنا ومها وزميلتين لنتكلم، وقلت إنه إذا لامني المدير على هذا وذاك سأغضب فعلاً. تكلمنا حتى أذن المغرب فعدنا أنا ومها إلى منزلي لنغير ملابسنا ونرتدي الأسود. لدينا واجب عزاء. توفى خال صديقنا.

ونحن في الطريق أقرر فجأة أن أقول لمها على كل ما يوترني، وأرتاح عندما أجدها تفهم ما أريد أن أقوله بدون أن أقوله كله. نذهب لدار المناسبات وننتظر سامية وعمرو أمام المسجد. عندما يحضران يخرج خالد من قاعة العزاء ليسلم علينا. لا أستطيع أن أرسم على وجهي الحزن أو الأسف. لم أر خالد منذ فترة، فأبتسم ابتسامة واسعة وأصافحه بحرارة. تعتذر سامية لأنها تلبس البني، وأقول إنني ألبس كنزة أعارتني إياها مها لأني لا أملك شيء أسود دافئ، وتقول مها إنها ستتجمد لأن القميص الأسود الذي ترتديه قميص صيفي. يضحك خالد. أشعر برغبة شديدة في أن أحتضننا جميعاً حضن "تفعيص" لأني أحبهم جداً وأحب كيف نكون سوياً. أفتقد سارة وأسامة أكثر لأنهما لم يستطيعا الحضور. نتكلم قليلاً ثم يعود هو وعمرو لقاعة الرجال، ونذهب نحن لقاعة السيدات. أقول لسامية ومها إنني أعرف والدة خالد. ندخل فأجد أنني لا أستطيع تمييزها. ندخل فلا نسلم على أحد ونجلس في إحراج.

تقول مها: "شكلنا وحش موت! دخلنا كده وماسلمناش على حد!"
تقول سامية: "الست اللي قاعدة جنب الباب دي شكلها هي اللي بتاخد العزا. تعالوا نقوم نسلم عليها".
أقول: "لأ استنوا نسلم على مامت خالد".

نجلس في حيرة.

تقول سامية: "طب نسأل مين مامت خالد؟"
أقول: "طب اسألي اللي جنبك..."
تقول مها: "افرضي قالت لك خالد مين!"
تقول سامية: "طب إنتي عارفة اسم مامت خالد؟"
أقول: "لأ مش عارفه! هعرف اسم مامته ليه؟! بصوا هي يمكن دي أو دي".

نعاين السيدتين. كلتاهما تشبهان خالد!

تقول سامية: "قومي إنتي يا رحاب اسألي. هزي طولك كده!"
أقول باستغراب: "إشمعنى أنا اللي أهز طولي؟!"
تقرر سامية: "علشان إنتي قصيرة ولو هزيتي طولك محدش هياخد باله".

أدير عيني في محجريهما وأمط شفتي في ابتسامة مغتاظة. أنظر حولي مرة أخيرة أحاول أن أجد والدة خالد بلا جدوى. أقوم فأسأل عنها السيدة التي تجلس بجوار الباب فتأخذني لإحدى السيدتين التي كنا نشك فيهما. أسلم عليها وتأتي سامية ومها، وتقول والدته لسامية: "أنا كنت باشبه عليكي من ساعت ما دخلتي بس قلت إيه اللي جابك! قصدي يعني عرفتي منين!" نضحك وتضحك وتقول "خلوا بالكو من خالد بس" فأقول إننا دائماً "مخليين بالنا منه".

نعود إلى مقاعدنا. أدرك فجأة أنني أرتدي نفس الجاكت والبنطلون الذين ارتديتهم طوال أيام العزاء بعد أن توفى عاطف زوج ابنة عمتي. أسمع مريم ذات الخمس سنوات وهي تقول باستنكار شديد: "إنتي لابسة نفس اللبس تاني؟!"، وأسمع فريدة ابنة عاطف ذات الخمس سنوات أيضاً وهي تقول: "إنتي كمان؟؟ إنتي كمان لابسة أسود؟"، وأشعر برغبة في الخروج فوراً وشراء أي شيء أحمر...أي شيء فيه حياة. هذه هي اللحظة التي بدأ فيها الحزن.

مها تجلس في الوسط. بوجه جاد جداً أميل على مها لأقول لسامية: "عاوزة وصفة الشوربة". تفغر سامية فاها وتبرق عينيها، وتطرق مها وتأخذ في الضحك مختبئة في شعرها الطويل، وتفرك سامية جبينها ويحمر وجهها وهي تحاول جاهدة ألا تضحك بصوت عالٍ.

"أنا باتكلم بجد. عاوزة وصفة الشوربة. بتضحكوا على إيه؟ هأنسى...لما أخرج من هنا هأنسى".

تهزان رأسيهما في أسف لحالتي وتقرر مها أنني مصيبة وفضيحة.

يقول المقرئ "صدق الله العظيم" فنسلم على والدة خالد مرة أخرى ونخرج. نقف قليلاً معه ونستفهم منه كيف توفى خاله، ونسأله إذا كان يرغب في أن يذهب معنا لاحتساء القهوة في أي مكان قريب فيعتذر ونمضي.

نتجه للكوربة. ألاحظ أن العديد من عمارات شارع بغداد قد أُعيد طلاؤها. ينعكس عليها النور من مصابيح الشارع فتبدو منيرة جداً. أشعر أنني في فيلم قديم أو صورة سيبيا. أمشي بتمهل وتغني مها ويسبقنا سامية وعمرو. أريد أن أسير قليلاً في الكوربة ولكن لا أريد أن أكون وحدي ولا أريد أن أكون معهم. على أي حال أكره الكوربة وهي مزدحمة هكذا ليلة الخميس. قضينا وقت ظريف في لو شانتي، تكلموا هم وضحكنا كثيراً. كان من الممكن أن أستمتع بالأمسية لو كنت فقط استطعت أن أزيح جانباً هذا الحزن الذي بدأ يتحكم في. خرجنا من المطعم ووقفنا أمام بعض المحلات. دخلوا محلاً للأثاث وتبعتهم. ثم أحسست بضيق نفس فخرجت في الشارع. وقفت قليلاً ثم تذكرت أن الكوربة مشهورة بأنها مكان لالتقاط الفتيات، فرجعت إلى الوراء ووقفت بجوار الرصيف أنظر ولا أرى. يجب أن أذهب لزيارة ابنة عمتي. لا يمكنني تفاديهم للأبد. دي تصرفات عيال. لازم أكبر بقى. بس مش قادرة. مش قادرة أدخل البيت. مش قادرة حتى أكلمها في التليفون وأسمع رنة الحزن المستسلم في صوتها.

لا يمر يوم لا أفكر فيه في عاطف، فعلى الطريق الدائري الذي أسلكه للعمل كل يوم غالباً ما يكون هناك رادار ولجنة. آخر مرة الصيف الماضي عندما سحبوا رخصتي وحرروا لي مخالفة سرعة على الدائري كان عاطف هو الذي أعاد لي الرخصة. وعند عودتي من الإسكندرية الأسبوع الماضي سحبوا رخصة قيادتي عند مدخل الإسكندرية، وسحبوا رخصة السيارة في وسط الطريق. تملكني حزن هائل مؤلم. شعرت أنني أريد أن أجلس على جانب الطريق، أهيل التراب على وجهي وأبكي بحرقة. فكرت أن أحاول أن اشرح للضابط: "شوف حضرتك...ماينفعش تسحب الرخصة...عاطف مات...ودلوقتي مين هيجيبهالي؟ بجد ماينفعش...أنا مش هأعمل كده تاني بس من فضلك ماتسحبهاش".

تخرج مها من محل الأثاث ويتبعها سامية وعمرو. أريد أن أركض بأقصى سرعة أو أنام لبضعة أيام. أدفع يدي في جيوبي أكثر وأسير في صمت. نسلم على بعض ونفترق وأعود للمنزل. لا أتذكر كيف مضى الوقت حتى نمت. قرأت قليلاً في "قميص وردي فارغ" لنورا أمين وأبتسمت عندما وجدتها تشكو من ارتداء الأسود والذهب والكعب العالي، وتذكرت شكوى لطيفة الزيات من الكورسيه. معضلة المرأة الحديثة. لماذا لا يتحدث أحد عن الجوارب "الفيليه" الشفافة؟ ربما علىّ أن أذكرها في القصة القادمة.

ويوم الجمعة استيقظت مبكرة. حلمت حلم مقبض للغاية. حلمت أنني في لبنان، أجلس في سيارة ويسألني عسكري عن اسمي، ومن اسمي يعرف ديانتي فيصوب مسدسه لرأسي ويضغط الزناد، وأن آخر شئ قلته لنفسي هو: "لا تقلقي"، ثم همست بالشهادتين وأظلمت الدنيا. أعرف أن هذا مشهد من فيلم تسجيلي عن لبنان وفيروز اسمه "أحببنا بعضنا جداً" شاهدته في مهرجان الفيلم الأوروبي منذ بضعة أشهر. ولكن في المشهد تحكي السيدة أنهم قتلوا أخيها وهي بجواره في السيارة. وبعد أن انتهت من حكايتها تحول المشهد إلى لقطات للبنان أثناء الحرب وفي الخلفية أغنية فيروز "صباح ومسا"، وأخذت أنا في البكاء حتى نهاية الفيلم، وأخرجت مناديل ورقية تقاسمتها مع المرأة الجالسة بجواري التي لا أعرفها. عندما استيقظت من الحلم شعرت بالإشفاق على نفسي لأن آخر شئ قلته هو "لا تقلقي". أسيكون هذا هو فعلاً آخر ما أفكر فيه؟ ارتحت إلى حد ما لأني استطعت أن أقول الشهادتين. اختلفت الأراء حول الدين والله، ولكني أحب الله جداً وأعرف أنه يحبني جداً، لذلك لا أهتم بأغلب هذه الآراء.

ساعدت أمي في ترجمة مقالة. أحاول أن أقاوم تعب عميق يسكن جسمي. كل شئ يؤلم. تمددت أقرأ في السرير لساعتين حتى نمت مرة أخرى. انتهيت من القميص الوردي وبدأت "الباب المفتوح" للطيفة الزيات. استيقظت في الخامسة لأجد أن كل الناس اتصلت بي. رددت على مكالمة واحدة وأجلت الباقي لبعد قيامي من السرير. أعود للقراءة. منذ فترة لم تستغرقني رواية هكذا. أريد أن أكتب ولكني متعبة للغاية. تقول أم البطلة في "الباب المفتوح" إن "جسمها مهزوم" فأجد إن هذا أفضل وصف لحالتي. أدركت أنني نسيت أن أكتب شيئاً في قصة "أنا والضباب وهواك"، وأخذت أفكر في جدوى إضافة بضعة سطور للقصة.

يقترح سامية وعمرو السينما، وتقترح مها مسرحية في الهناجر، وأعتذر عن القيام من السرير. يمر اليوم في القراءة وتفادي الاتصالات. لا أستطيع النوم قبل أن انتهي من "الباب المفتوح".

والسبت استيقظت في السادسة صباحاً فجأة، لأجد صديق لنا في الخارج لم يتصل بي منذ أن سافر قد اتصل بي في الرابعة صباحاً...من البلاد الباردة! تتسارع ضربات قلبي، ويبرد جسمي كله في لحظة، وأفكر في كل الاحتمالات المرعبة. أقوم لأتفقد البريد الإلكتروني. لا شيء. أرسل له رسالة. لا يرد. أعود لنوم قلق. من المفروض أن أذهب لزيارة صحراء المماليك اليوم ولكني متعبة. قررت أن أنام حتى ولو كان نوم قلق. تفتح أمي باب غرفتي وتترك كفته على السرير لأنها لا تستطيع أن تقوم بأي شيء في المنزل لأنه يجري حولها في كل مكان. نعود أنا وكفته للنوم. أستيقظ وأبدأ في القراءة. تفتح أمي الباب: "أنا عارفه إنك مستمتعة بالقراية وكل حاجة، بس ممكن تنشري الغسيل وأي كلام أي كلام أي كلام". أتوقف عن السمع. هذه هي اللحظة التي بدأ فيها الغيظ.

اليوم هو الثاني عشر من مارس. ستة شهور ويوم. أزفر زفرة طويلة. مرت منهم أربعة شهور وأنا أكتب وأكتب.

أحاول أن أخطط لليوم: سأذهب لمصفف الشعر، ثم أشتري رمل للقط، وربما أصلحت الساعة، أو سأذهب لأمشي في حديقة الأزهر، أو سأذهب للمقهى الذي أحبه وأكتب، أو سأذاكر، ربما أقرأ قليلاً. من المؤسف أن يكون أمامي يوم طويل هكذا لنفسي ولا أفعل فيه شيء مفيد.

أماطل. لا أريد أن أقوم من السرير. يؤلمني فكي بشدة. كنت أجز على ضروسي طوال الليل. في مثل هذا الوقت العام الماضي خلعت كل ضروس العقل. أبتسم وأنا أتذكر سامية وهي تقرصني في ذراعي وتصيح في أذني: "اصحي يا رحاب! اصحي يا رحاب!! يا رحاب اصحي بقى!!"، وأمي وخالتي وهما تستدرجانني في الكلام وأنا تحت تأثير المخدر: "ها وبعدين؟"

أقوم وأنا أغالب الصداع. أريد قهوتي حالاً. أتذكر أنني كتبت جزء من سميرة أثناء النوم. أحاول أن استرجعه ولكن أفشل. أغتاظ. أركز أكثر. أتذكره! في المطبخ أجد القهوة التي أحبها قد نفدت. أغتاظ. أفتح عبوة زبادي، أجد طعمها في غاية المرارة، أغتاظ. طلبت من البقال ألا يرسل هذا النوع ولكنه أرسله. أقرر أن أستحم. أدخل الحمام وأخلع ملابسي، لا أجد صابون، أغتاظ. ألف المنشفة حولي وأخرج لأحضر الصابون، أدخل، أنزع المنشفة، لا أجد كريم الشعر، أغتاظ. ألف المنشفة حولي وأخرج مرة أخرى. أبحث عنه في كل مكان. يبدأ صوتي في الارتفاع. لا أجده. أغتاظ. أدخل الحمام وأبدأ في الاستحمام. اللوفة طرية! أكره ذلك! أكره اللوف الطري! مقرف مقرف مقرف! كيف يتمكن أحد من الاستحمام بلوفة طرية؟! أبدأ في البكاء تحت الدوش. لماذا يتآمر الجميع على حرق أعصابي؟

أخرج من الحمام، وأرتدي ملابسي، وأجلس في غرفة المعيشة أمام التلفاز المغلق. أقرر أن أجلس لمدة خمس دقائق دون حراك لأمشط شعري في صمت وهدوء. أرفع رأسي فأرى كتاب يحملق في من على أحد الرفوف: "علاج التقلبات المزاجية". أغتاظ: أنا لا أعاني من تقلبات مزاجية! أنا ضحية لتصرفات من حولي! اقرر أن أفكر في شيء مبهج. أنظر من النافذة فأرى سحابة صغيرة ممتلئة تطفو بتمهل. أبتسم. أمنية حياتي أن أجلس على سحابة، سحابة وردية كغزل البنات. عبرت عن هذه الأمنية مرة أمام شخص ما فقال إنه من المؤكد أنني سأسقط، فلا أحد يمكنه الجلوس على السحاب. ذكرني بمستر جرادجرايند في قصة تشارلز ديكنز "أوقات عصيبة" وهو يصرخ في التلاميذ الصغار ويقول: "الحقائق! الحقائق! التزموا بالحقائق!". كم كرهت مستر جرادجرايند وكرهت ذلك الشخص.

لا أدري لماذا درسوا لنا تقريباً كل قصص تشارلز ديكنز في المدرسة. هل كانوا يريدون لنا أن نفهم "بالذوق" أننا أفضل من غيرنا؟ إننا مهما كانت طفولتنا تعيسة فنحن أفضل من دافيد كوبرفيلد الذي توفى والداه وتحكم فيه الجميع واضطر أن يتعامل مع شخص لزج "متواضع" ذو يد باردة وابتسامة صفراء مثل يوريا هيب، أو أفضل من أوليفر تويست (اليتيم أيضاً) الذي استغله المجرمون، أو أفضل من بيب (يتيم آخر) الذي تلاعبت بعواطفه ستلا ومسز هافيشام المتعفنة. ناهيك عن سيدني كارتون الذي أبكي كلما شاهدته في فيلم "قصة مدينتين" وهو يساق إلى المقصلة بدلاً من الآخر الذي لا أتذكر اسمه. لماذا فرضوا علينا كل هذه المآسي؟! لم أصدق نفسي عندما وجدت أن مقرر الرواية في عامي الثاني بالكلية يشمل "أوليفر تويست"! تاني؟! أوليفر تاني؟! من كل أمهات الأدب الإنجليزي لم يجدوا غير أوليفر؟! أغتاظ وأنا أتذكر ذلك فأتوقف عن تمشيط شعري وأقوم قبل مرور الخمس دقائق. والله العظيم لا أنا نازلة وقاصة شعري! أحاول دائماً أن أنكر أي علاقة بين قصي لشعري وتقلباتي المزاجية، ولكني أعرف نفسي أفضل من ذلك. تقول هلا: "قصي شعرك تغيري حظك". جربت ذلك أيضاً. لم ينفع.

ماذا أفعل بنفسي الآن؟ أنا مغتاظة وغاضبة وحزينة. وكل شيء يؤلم...كل شيء.

أعود للسرير وأدفن رأسي بين الأغطية استعداداً لماراثون نوم جديد. آه يا براح عمال بيضيق!

Tuesday, March 01, 2005

أنا والضباب وهواك


اشفقت علىّ أمي عندما قرأت ما كتبته عن حزني لعدم زيارتي للأسكندرية منذ خمسة أشهر، ففاجأتني مساء يوم الخميس:

"نطلع اسكندرية بكره الصبح؟"

"موافقة!"

"واللي يرجع في كلامه؟"

"يبقى عيل!"

صباح الجمعة: ضباب يلف القاهرة وتزيد كثافته كلما اقتربنا من المحور. وعند المحور كنت أمشي على سرعة 40 كيلومتراً في الساعة، وأرى السيارة التي أمامي فقط لأن قائدها أضاء أنوارها. شعرت أنني سمكة في حوض السمك! شعرت شعور أسماك أمي عندما تسافر وأنسى تغيير المياه لهم. اجتهدت لأركز في الطريق وأنا أسترجع ما أعرفه عن الضباب

يتكون الضباب عندما يبرد الهواء لدرجة يبدأ عندها بخار الماء في التكثف على هيئة قطرات صغيرة جداً من الماء.

في العام الذي عُرف بعام الضباب كانت أمي تذهب للكلية لتحضر محاضراتها وتقابل أصدقائها، ولكنها كانت تذهب للكلية بشكل عام لتلعب التنس وتجدف في النيل. كانت أمي مقررة اللجنة الرياضية ونائبة رئيس اتحاد الطلبة. وبين ليلة وضحاها أصبحت رئيسة الاتحاد، فلقد استُدعي رئيس الاتحاد لقضاء الخدمة العسكرية! وجدت أمي نفسها وسط مظاهرات واعتقالات ومحاكمات للطلبة: "رحنا النيابة. ورحنا معاهم المحاكمة. كان لازم نروح. مش معقولة يعني واحد زميلنا يبقى معانا بيحضر محاضرات وتاني يوم متهمينه بالخيانة العظمى!"

الأسبوع الماضي، في أول محاضرة لها في الفصل الدراسي الجديد، وبعد أن وزعت أمي على الطلبة المقرر وقائمة بالكتب والمراجع، سألت إذا كان لديهم أي سؤال، فقامت طالبة منقبة وسألت أمي: "إنتي ليه مش محجبة؟"

أول ذكرياتي عن الضباب: كنا نجوب أوروبا في سيارة مستأجرة. أعتقد أنني كنت في السابعة أو الثامنة من عمري لأن شعري في الصور قصير جداً. كنا في مكان ما على جبال سويسرا وأخذت السيارة في تسلق جبل شاهق. كنت أنا وأخي نائمين واستيقظت لأجد أنني لا استطيع رؤية أي شيء خارج نوافذ السيارة. سألت أبي فقال إن هذا مجرد ضباب، وأنني إذا نظرت جيداً سأستطيع تمييز سفح الجبل العالي الذي كنا نرتقيه ببطء، وغالباً شرح لنا أبي ما هو الضباب. لا أتذكر ما إذا كنت نظرت لأسفل أم لم أنظر، ولكن أتذكر أنني لم أكن خائفة وأخذت اتأمل بتعجب حالة انعدام الرؤية خارج النافذة حتى سقطت في النوم.

تقول أمي إن فروض الإسلام خمس.

وفي لبنان منذ عامين، وبعد جولة في غابات الشوف وبيت الدين ودير القمر، توجهنا إلى غابات الباروك. جبل شاهق آخر. أشجار الأَرز في كل مكان وأسفلنا يتضاءل العالم بسرعة. إحساس غريب يتملكني وأنا أصعد لأعلى...لأعلى...لأعلى...

(أخذت أليس في الهبوط لأسفل...لأسفل...لأسفل في جُحر الأرنب)

الجو فوق الجبل محدد الملامح. لا أعرف إذا كان هذا هو التعبير الصحيح ولكن هذا كان إحساسي: جو صريح. العالم يبدو وكأني فجأة نظفت زجاج نظارتي. رائحة الصنوبر والأشجار والأرض تملؤني. أتخلف عن المرشد وباقي المجموعة وأقف في الصمت. الصوت الوحيد هو عجلات عقلي وهي تحاول أن تتوقف. فجأة يحيط بي الضباب. أدور ببطء في مكاني. لا...هذا ليس ضباب...إنه السحاب...أنا أمشي بين السحاب! أنا فعلاً أمشي بين السحاب وهذا ليس تشبيه بليغ أو استعارة! كنت أود أن أقول إنني احسست بالخفة والتلاشي في روح العالم ولكنني كنت مشغولة، أحاول أن أركز جداً في مراقبة ماذا سيحدث لي وأنا أمشي بين السحاب، فلم أحس سوى بسعادة غامرة ثم قشعريرة مفاجئة تلتها رغبة شديدة في أن يحتضنني أحد. التقطت عود خشبي رطب وتنفسته بعمق، وأسرعت لألحق بأصوات عائلتي.

يقولون إنه عندما يقشعر بدنك فجأة فهذا معناه مرور روح ما عبرك.

والأسبوع الماضي أحاط بالطريق الدائري ضباب كثيف تسللت عبره قطرات كبيرة من المطر. أخذ الطريق مني ساعة وربع رغم أنه في العادي يأخذ نصف ساعة. اضطررت لأن أسلك طريق جديد، فزدت من ارتفاع صوت ألانيس موريسيت في المسجل وركزت كل جهودي على التدريب على نفخ بالونات كبيرة من اللبان حتى لا أفكر...

(الوقت متأخر...الدنيا ضلمة...الضباب وصل لحد عقلي...غالباً هأتوه لأني ما جربتش الطريق ده قبل كده...بس أنا عندي إحساس كويس بالاتجاهات...بالونة أكبر...أيوه...من غير ما تلزق في مناخيري...كويس...واحدة كمان...)

على أول طريق السويس (أو ما أظن أنه أول طريق السويس) انقشع الضباب فجأة وتوقفت الأمطار واكتشفت أني—يا سبحان الله!—عند بداية طريق التجمع الخامس! تنهدت وابتسمت بفخر: أهوه! ما توهتش! لازم تبقي واثقة في قدراتك! انتقل بالموسيقى إلى ديانا كرال. ألف اللبانة في منديل وألقي بها في المطفأة وأغني مع ديانا بأعلى صوت: "بيساميه...بيساميه مووووتشووووووو..."

Thursday, February 24, 2005

أعماق أعماقي


اعجبتني فكرة ديـنـا فقررت أن أحذو حذوها.

اليوم احمل حقيبة كبيرة من الجلد بنية اللون، عليها نقوشات إسلامية بدرجات مختلفة من البني. اشتريتها من سوق الحميدية بدمشق. بعد جدل طويل حول السعر اعطاني البائع الحقيبة بتخفيض مذهل وقال وهو يلفها لي: "إذا كانت مصر أم الدنيا، فسوريا أبوها!" وضحكنا طويلاً.

في حقيبتي اليوم احمل التالي: نوتة صغيرة اكتب فيها كل وأي شيء. اشتري منها واحدة عند بداية كل عام جديد. اسجل فيها النقود التي أنفقتها، واحسب ثمن الأشياء التي اشتريتها، وما لي وما علي من نقود. احتفظ فيها بقـصيدة احبها جداً رغم أنها حزينة جداً. اكتب فيها مصطلحات إنجليزية وترجمتها العربية أو العكس. اكتب فيها الأعمال التي علىّ أن انجزها والمشاوير التي لا تنتهي (تصوير كتب، اكلم فلان، ابعت إيميل لعلانة، تنظيف جاف، إلخ). أدون مواعيد وعناوين حقيقية وإلكترونية. كلمات من أغاني. اسماء كتب. اسماء مغنيين وألبومات. جمل وعبارات من أفلام ومسرحيات. قائمة بأشياء أريدها. صفحة كتبت لي فيها سامية وأخرى كتبت لي فيها سارة. والكثير من قصاصات الورق اللاصقة الملونة. أحبها جداً هذه القصاصات ولدى مجموعة كبيرة منها بمختلف الألوان والأشكال، أحبها إلى قلبي الخضراء الفوسفوري على شكل وردة.

احمل قاموس المورد الإلكتروني (عربي-انجليزي-فرنسي) وقلمين أزرق وقلم أحمر وآخر رصاص وماركر برتقالي اللون ذو سن عريض لزوم التصحيح والمراجعة. ساعة يد توقفت عقاربها (تنقلت هذه الساعة من حقيبة تلو الأخرى على مدار الشهر الماضي أملاً في أن أجد نصف ساعة خلال يومي لأذهب للساعاتي ليركب لها بطاريات جديدة. توقفت عند الخامسة والنصف. أنا أحب رقم خمسة، ولكن لا أعرف ما هي دلالة النصف). احمل مناديل ورقية وأخرى مبللة. زبدة كاكاو بطعم الفراولة (انهي مها وسامية وشهاب عن قرض أظافرهم أو عض أصابعهم ولكني آكل شفتي كثيراً. لا أظن أنهم يعرفون ذلك عني). مجلة g-mag الصغيرة (لا تفارق حقيبتي. بحبها أوي!). مشغل إم.بي. ثري وسماعات. عدة خياطة صغيرة للغاية (يمكن حاجة تتقطع!). مفاتيح منزلي في سلسلة نحاسية مكتوب على وجه منها "بركة" وعلى الآخر "سلامة". مفتاح سيارتي في سلسلة فيها عروسة "بابل جم" مكتوب على الفستان الذي تلبسه Party Animal (مدمنة حفلات). مرآة صغيرة وأحمر شفاه يلائم ما ارتديته اليوم (لم اضع أحمر الشفاه قبل نزولي للعمل ولكني أحمله معي دائماً تحسباً لأي طارئ (الأسبوع الماضي طلبوا مني في العمل أن اضع طبعات كثيرة لشفتي على ورقة كبيرة بيضاء ليستخدموها في إعلان!). لبان بدون سكر. أقراص للصداع. قطرة للعين. كريم للجروح (اجرح نفسي كثيراً بالأوراق وصفحات الكتب). زجاجة عطر (نادراً ما اغير عطري المفضل وافتقده أحياناً خلال اليوم). هاتفي المحمول وسماعته (انسى كل يوم أن اتركها في السيارة). نظارة الشمس ملقاة في قعر الحقيبة بدون غطاء (لأنه من المفروض ايضاً أن اتركها في السيارة!). حافظة صغيرة جداً بها بطاقات عملي، وبطاقاتي الشخصية ذات التصميم الذي أثار جدلاً (قال البعض أن التصميم يلائم شخصيتي جداً، "ده إنتي خالص!"، بينما قال البعض الآخر أنها تصلح بطاقة دعاية لصالون تجميل!).

أما حافظتي فلونها أزرق سماوي هادئ وعليها زهور قليلة ودقيقة من الخيوط الوردية والصفراء الفاتحة. اضع فيها أوراق نقدية بفئات مختلفة ارتبها في جيبين: الجيب الأول فيه الأوراق من فئة الخمس جنيهات فيما فوق، والجيب الثاني للفكة الورقية. في مكان البطاقات بالحافظة اضع رخصة قيادتي ورخصة السيارة والرقم القومي. اضع بطاقاتي البنكية وعضوية المكتبة في المركز الثقافي الفرنسي وبطاقة تخفيض لم استعملها سوى ثلاث مرات. اضع المزيد من بطاقات العمل وبطاقاتي الشخصية (كان الهدف من الحافظة الصغيرة تفريغ الحافظة الكبيرة من كل البطاقات ولكن انسى دوماً القيام بذلك. وعندما افرغ فعلاً الحافظة الكبيرة من البطاقات انسى الحافظة الصغيرة في حقيبة ما!). احمل بطاقات العمل الخاصة بأصدقائي وأقاربي. بطاقة طبية من طبيب الأنف والأذن والحنجرة بها قائمة بالأدوية الممنوع علىّ تناولها ومكتوب فيها: "عند حدوث أي ارتفاع في درجة الحرارة يجب استشارة الطبيب فوراً – ممنوع منعاً باتاً الاشتراك في ضرب النار"(!)

في حافظتي أيضاً قطعة قماش صغيرة جداً من الحطة الفلسطينية وزورق ورقي متناهي الصغر صنعته لي مها. بطاقة طبيب الأسنان وصور لي ولوالديّ ولأخي. فواتير وإيصالات. قصاصة من جريدة تتحدث عن كتاب. بطاقة ولاء من "ديوان" (اتعمد دائماً أن اضيعها. لا احتمل فكرة وجود ورقة تثبت أنني انفقت ألف جنيه في شراء الكتب! اعرف أنني انفقت أكثر من ذلك كثيراً خلال العامين الماضيين ولكن...ورقة تثبت ذلك؟! لا...لا ممكن أبداً!). قصاصة ملونة صغيرة كتبت لي مها عليها اسمي ولونته وكتبت حوله: "بحبك يا مجنونة – ملكة متوّجة والله". وعلى جيب داخلي في حافظتي ملصق صغير مكتوب عليه: "لا تكبري أبداً".