يوم رياضي
كان اليوم "يوم رياضي": كان علينا حضور حلقة نقاشية حول منتج ما في شركة لبحوث التسويق. أجلس مع مديري المباشر وزميلتي المسؤولة عن هذا المنتج في غرفة العملاء مع اثنين من العملاء، شاب وشابة، يدخنان بشراهة. الشابة تبدو لي على شفا انهيار عصبي، والشاب بطيء جداً في ردود فعله ويسمع الكلام ثم يردده كأنه هو الذي فكر فيه لتوه. المكان المثالي لمثل هذه المناقشات يتكون من غرفتين متلاصقتين: إحداهما للعملاء والأخرى للمجيبين، والحائط الذي يفصل بين الغرفتين زجاج من ناحيتنا ومرآة من ناحيتهم، بحيث نستطيع نحن أن نرى المجيبين ويظلون هم طوال المناقشة يعدلون ملابسهم ويتفقدون تسريحة شعرهم أمام ما يظنونه مرآة كبيرة. نحن هنا اليوم لنرى كيف يفكر المستهلك البريء الذي سنهاجمه بعد ذلك بوابل من الإعلانات تجبره على شراء منتج العميل نقول فيها إن هذا المنتج بالتأكيد هو الأفضل والأرقى والأسرع والذي سيحل كل مشاكلكم، حتى المشاكل التي لم تكونوا على دراية بوجودها من الأساس. وسيجعل هذا المنتج كل السيدات جميلات وكل الرجال جذابون. كم أكره عملي أحياناً!
ولكن لأكون صادقة أنا غالباً ما استمتع بهذه المناقشات. أولاً، أن أكون غير مرئية هو شيء أتمناه في كثير من الأوقات. عندما كنت صغيرة (وحتى وقت قريب) كنت أفكر ملياً فيما سأفعل إذا كانت لدى "طاقية الإخفا"، وأفكر في سيناريوهات أعرف فيها ماذا يقول الناس في غيابي وأين يخبئ أخي الشوكولاتة، بل وأفكر في أخلاقيات استعمال "طاقية الإخفا". ثانياً، الموضوع برمته كوميدي جداً ومفيد للغاية، وتعليقات المجيبين تذهلني كل مرة بذكائها الحاد أو غبائها المطلق ولكنها في كل الأحوال تضيف عمق لرؤيتي للعديد من الأمور. اليوم مثلاً اكتشفت أنه ربما كان أحد أسباب السحابة السوداء التي نعاني منها في الخريف في القاهرة هو إشعال الفلاحين للأقراص الطاردة للناموس مباشرة بدلاً من وضعها في الجهاز الكهربائي المخصص الأقراص! فعلاً...اللي يعيش ياما يشوف، واللي يحضر "جروبس" (groups) يشوف أكتر!
من الأسئلة التقليدية التي توجه لي: "إنتي بتشتغلي إيه بظبط؟!" للأسف أنا لا أعمل مذيعة كما كنت أتمنى طول حياتي، ولا أعمل بالكتابة بعد؛ أنا أعمل "كوبي رايتر" في شركة دعاية وإعلان. عندما سألتني صديقتي العام الماضي: "تحبي تشتغلي معانا كوبي رايتر؟" كان أول ما جال بخاطري: " يعني إيه كوبي رايتر؟ هاصور ورق يعني وإلا إيه؟!"
يتكون أي إعلان عادةً من صورة (visual) وكلام (copy)، وبالتالي فالكوبي رايتر (copywriter) هو الشخص المسئول عن تأليف كلام الإعلانات. أجد الكلمة بالفرنسية أوضح (rédactrice publicitaire) أو محرر إعلاني/محرر إعلانات. حاول أحد أصدقائي المترجمين مساعدتي في إيجاد ترجمة صحيحة للكلمة الإنجليزية فاقترح "محررة فنية" ولكني اعترضت بشدة. أنا مش شغالة في مجلة الموعد!
يتطلب عملي ترجمة المطبوعات والأدلة الإرشادية والمواد الدعائية لعملائنا، وتأليف سيناريوهات لإعلانات الراديو والتليفزيون، والكثير من الإعلانات المطبوعة في الجرائد والمجلات، بالإضافة إلى تنقيح وتصحيح أي إعلان قبل أن يخرج من الاستوديو للطباعة.
وبالطبع بعد عام من العمل هنا بدأت أعاني من العديد من أمراض المهنة: فأنا أرفع صوت الراديو عند الفقرة الإعلانية وأخفضه عند الأغاني، وأجلس في منتهى التركيز أمام إعلانات التليفزيون في انتظار إعلاناتنا أو لأعرف ماذا يقدم المنافسون، ثم أقوم بعد أن تنتهي الإعلانات. كما أصبحت أجد عيني تقع على الأخطاء الإملائية بطريقة لا إرادية وتأكلني يدي رغبة في تصحيحها. منذ فترة أرسل لي نفس صديقي المترجم بمنتهى الفخر المقرر الدراسي الذي يدرسه لطلابه في الخارج، وكان أول تعليق لي: "عندك غلطة إملائية في تالت سطر"، وبعد أن قلت ذلك أدركت أن المرض تمكن مني. أصبحت أرى الهمزات حيث يجب أن تكون، والتاء المربوطة مكان الهاء في آخر الكلمات، والنقاط تحت الياء في كلمات مثل "مصري" عندما يكتبونها "مصرى"، وأغتاظ عندما أرى أخطاء مثل "مساءاً" (وصوابها مساءً).
لم يكن لديهم قبلي هنا في الشركة محرر إعلاني، ومن المضحك أنني لا اعتبر نفسي ضليعة في اللغة العربية، بل هناك قواعد بسيطة جداً مازلت تختلط عَلَى وقواعد أخرى لا أفهمها بتاتاً، وبالرغم من ذلك جعلوني المحرر المسئول عن أي شيء باللغة العربية بعد خمسة أشهر من انضمامي للشركة، اقتناعاً منهم أنني أقوم بعمل جيد، وأتوا بزميلة جديدة لتكون مسئولة عن الإنجليزية لتخفيف العبء عني. يشعر زملائي في العمل بالطمأنينة والأمان عندما أقول عبارات مثل "العدد من تلاتة لتسعة يخالف المعدود" أو "ده فعل ثلاثي مش بياخد همزة في الأمر"، ويشعرون أنهم يحصلون على معلومات هامة من مصدر مسئول. ويتيح لي عملي امتياز رائع: استعمال قلم أحمر أحذف به كل ما لا يروق لي. ولكن بالرغم من حرصي الشديد على مراجعة كل شيء واتخاذي لكافة الاحتياطات عند الكتابة، فأنا متأكدة أن هناك أخطاء تغافلني، ومما لا شك فيه أن هذه التدوينة نفسها حافلة بالأخطاء.
قبل عملي الحالي، وقبل اتجاهي تماماً للترجمة، عملت فترة في مجال بحوث التسويق، وكان مكاني في الجانب الآخر من الغرفة. لا، في البداية كنت أجلس بداخل غرفة العملاء، أترجم أو أدون الملاحظات. لاحقاً تمت ترقيتي فدخلت غرفة المجيبين وكان على أن أسألهم عن نظام حياتهم، وعدد أفراد أسرتهم، ولماذا يستخدمون هذا المنتج أو ذاك. بقدر إعجاب مديري بقدرتي على إدارة تلك النقاشات، بقدر ما كان يغتاظ مني لعدم قدرتي على التحكم في تعبيرات وجهي ونبرات صوتي، فأنا إذا أدهشتني إجابة اندهشت، وإذا استنكرت كلام ما ظهر على وجهي استنكاري، الأمر الذي لا يساعد المجيبين كثيراً في التعبير عن أنفسهم. حاولت أن أتحكم في تعبيراتي ولكن بلا جدوى فكففت عن المحاولة وكف هو عن الغيظ أو على الأقل عن التعبير عن هذا الغيظ. حتى الآن أواجه هذه المشكلة، وغالباً ما اسمع تعليقات مثل: "اضحكي اضحكي...ما تكتميش في نفسك" (عندما أحاول أن ارسم ملامح الجدية على وجهي) أو الجملة الأشهر "شكلك مش مقنع خالص وإنتي بتقولي كده!" (عندما أحاول أن اكذب). تعلمت حيلة من عملي السابق لاكتشاف ما إذا كانت أي مرآة حقيقية أم زجاج مزدوج يمكن أن يكون وراءه أشخاص أشرار (مثلنا) يراقبونني: تضع إصبعك على المرآة وإذا وجدت أن هناك مسافة بين إصبعك وانعكاسه في المرآة فهي إذن زجاج مزدوج، ورجاء لا تخلع ملابسك في هذا المكان.
اليوم في المناقشة وجدت نفس الإجابات ونفس العقبات. عند السؤال الذي يُطلب فيه من المجيبين أن يتخيلوا شخصية المنتج محل المناقشة أو يحلموا بالمنتج المثالي يُسقط في يدهم. الجميع يخشى الحلم، ولكن الجميع يطمع في كل شيء. أتذكر قصيدة لأحمد: "كله بيخاف لما يعيش". المجيبات ترددن كلام مأخوذ من الإعلانات والبرامج التلفزيونية وأقرأه في مجلات الموضة عند مصفف الشعر. لا أستطيع أن أحدد أيهما بدأ أولاً: الإعلانات خلقت لغة معينة دخلت في وعي المستهلكين، أم الإعلانات أخذت من لغة المستهلكين لتشكل وعي مستهلكين آخرين؟ أنا هنا لأتعلم منهم، ولكنهم يتكلمون كالإعلانات، فمن أين أبدأ؟
ارتكبت نفس الخطأ: لم أحضر شيئاً ثقيلاً أرتديه اتقاءً لشر مكيف الهواء. في عملي السابق، ومؤخراً في كل شركات بحوث التسويق التي نعمل معها، دائماً ما أعاني من التجمد في غرفة العملاء. ولكني اليوم تذكرت أن أحضر معي زجاجة مياه والكثير من اللبان بطعم القرفة. المياه لئلا ينخفض ضغطي من الجوع والبرد، واللبان لإبقائي مستيقظة طوال الخمس ساعات التي ستستغرقها المناقشات اليوم.
حيث أنني في غرفة العملاء كعميلة فأنا غير مضطرة لكتابة الكثير من الملاحظات، فقط بعض ما تقوله المجيبات من كلمات أو تعبيرات تعجبني، لذلك استمتع برفاهية الشرود بعيداً. أفكر في باقي اليوم ومشاريعي بعد العمل: لن أعود للمكتب مع زملائي حيث أن شركة البحوث بجوار منزلي والمكتب في الطرف الآخر من الكوبري. سننتهي في الساعة الثانية. ماذا أفعل؟ معي في حقيبتي "الست ماري روز"، يمكنني أن أحتسي القهوة في أي مكان قريب أحبه، فأنا هنا بالقرب من كل أماكني المفضلة لاحتساء القهوة. أو يمكنني أن أصلح حذاء مقطوع يمكث في سيارتي منذ بداية الصيف في انتظار الإصلاح. أو يمكنني أن أتفقد المحلات والأوكازيون. أتذكر الحر خارج هذه الغرفة المثلجة فأصرف كل فكرة فيها سير في الشارع. لدي موعد مع الطبيب في المساء وندوة، والاثنان في وسط البلد. من الأفضل إذن أن ادخر طاقتي. أحياناً تروق لي فكرة أنه رغم هذا القدر الكبير من الحرية والانطلاق والاحتمالات اللامتناهية أقرر-بمنتهى الحرية والانطلاق أيضاً-أن أعود للمنزل لأنام أو أقرأ. وفي أحيانٍ أخرى تصيبني نفس الفكرة بالإحباط، خاصة عندما أجد نفسي لا أريد القيام بأي من "الاحتمالات اللامتناهية" لأني بمفردي.
مع الحلقة النقاشية الثانية يصيبني الملل فأقرر أن أقوم ببعض التمارين للذاكرة. لدي اعتقاد مبني على شيء ما قرأته-ولا أتذكره الآن كالعادة-أنني إذا دربت ذاكرتي ستتحسن وسيقل احتمال تعرضي للزهايمر المبكر. الشهور العربية تبدأ بمصر، ميم صاد راء، محرم صفر ربيع أول ربيع ثاني جمادى أول جمادى ثاني رجب شعبان رمضان شوال ذو القعدة ذو الحجة. يناير هو كانون الثاني، فبراير شباط، مارس آذار، أبريل نيسان، مايو أيار، يونيو حزيران، يوليو تموز، أغسطس آب، سبتمبر أيلول، أكتوبر تشرين الأول، نوفمبر تشرين الثاني، ديسمبر كانون الأول.
وحدها نتيجة الشمرلي كان بها التقويم القبطي الذي ما زال يستخدمه الفلاحون لمعرفة مواقيت الزراعة، وجميع الأعياد بما فيها القبطية ومواعيد النوات بالإسكندرية. لم أحفظ من الشهور القبطية سوى تلك التي أعرف لها أمثال شعبية: كيهك ("تقوم من النوم تحضّر عشاك"، كناية عن قِصر اليوم في ديسمبر/يناير الذي يتزامن مع كيهك. ويُنطق "كياك")، طوبة ("يخلّي الشابة كركوبة"، كناية عن البرد الشديد في يناير/فبراير)، وأمشير المشهور بزعابيبه والذي يتزامن مع فبراير/مارس. وكان بتلك النتيجة أيضاً دليل لخطوط سير أوتوبيسات النقل العام والميكروباص وجدول بمواعيد القطارات. كانت أسرة الشمرلي تسكن في المنزل المقابل لمنزل جدي بشبرا، وكانوا يهدونا عند كل بداية عام دراسي رزم من الكراريس والكشاكيل بمختلف أنواعها. أثناء كتابتي لهذه التدوينة قمت ببعض البحث عن أسماء الشهور القبطية فاكتشفت أنهم ثلاثة عشر شهراً، منهم شهر من خمسة أيام فقط (أو ستة في السنوات الكبيسة). لم أكن أعرف ذلك! تذكرت الآن أن هناك أمثال شعبية تُطلق على برمهات ومسرّي وتوت وبابه ولكن لا أتذكر الأمثال نفسها (ربما يجب أن أُكثر من تمارين الذاكرة تلك).
نتململ أنا ومديري وزميلتي من الجلوس هكذا طويلاً، فنحن في المكتب نادراً ما نظل على مكاتبنا أكثر من نصف الساعة. لتضييع الوقت يُخرج المدير من حقيبته كيس كبير من الدببة الجيلاتينية ومصاصات وشوكولاتة نأتي عليها كلها ويمتنع العملاء عنها حيث أن كلاهما يتبع حمية تمنعهم-بالطبع-من الحلويات. أتذكر جملة قالها طفل جميل في فيلم فرنسي، "الأكل المالح للتغذية، فقط لملأ المعدة، ولكن الحلو...امممم....الحلو هو جوهر الحياة!"
أعود للمنزل جائعة جداً لأجد المكيف معطل وأمي قد اشترت كل كتب سلوى بكر التي وجدتها عند مدبولي اليوم وجلست منهمكة جداً في قراءة "البشموري" وعازفة عن الحوار معي. أجد شيئاً غريباً جداً في طبق صغير جداً بالمطبخ تزعم أمي أنه سُبيط مشوي. بعد إضافة الكثير من الملح والليمون له أشعر أنني آكل مخلل بطعم السمك. أحتسي القليل من شوربة البارحة ثم أجد ثمرة مانجو وحيدة بالثلاجة فينشرح قلبي. أشمها بعمق لأتأكد من أنها جيدة. أجلس على طاولة الطعام ممسكة بالست ماري روز بيد والمانجو باليد الأخرى. أقضم قشرة المانجو فأجدها لذيذة فابتسم واترك ماري روز لأتفرغ للمانجو. هناك أكلات تستدعي طقوس معينة لأكلها، فالمانجو يُفضّل أن تؤكل في البانيو، درءاً للبقع، والبسطرمة يجب أن تستحم بعد أن تأكلها لتتخلص من رائحة الثوم والحلبة التي تنفذ من مسام الجسم بغض النظر عن عدد المرات التي تغسل فيها يديك بعد طبق من البسطرمة بالبيض.
لا أستطيع أن أواجه غرفتي في هذا الوقت من اليوم لأنها في الجانب القبلي من الشقة و"منقوحة" في الشمس طوال النهار. أتمدد على أول أريكة تقابلني وأنام نوم مضطرب أشعر أثناؤه أنني نمت لوقت قصير جداً واستيقظ لاكتشف أنه فاتني موعد الطبيب والندوة. حسناً...هذه نهاية غير متوقعة لكل الاحتمالات اللامتناهية. هي ليلة للقراءة إذن!















