Saturday, July 23, 2005

تنويعات عبثية في مقام ليه الكبير


(1)

فلان وفلانة أمام مبنى السينما في ليلة شديدة البرودة في انتظار بقية أصدقائهما ليدخلوا الجزء الثاني من "باب الشمس".

"وإنتي مارحتيش الشغل النهارده ليه؟"
"عيانة! تعبانة جداً...هم هم هم...عندي برد في المعدة بقالي يومين...هم هم هم...بقالي يومين ما اكلتش...هم هم هم...معدتي متبهدله!"

ينظر إلى ساندويتش الروزبيف الضخم في يدها. تشعر من نظرته بعدم تصديقه لكلامها.

"شكلك مش مصدقني".
"بصراحة لأ...مش مقنعة إنتي خالص...لازم تبذلي مجهود أكبر من كده لو ناويه تكدبي...منين برد في المعده ومنين عماله تاكلي الساندويتش الفظيع ده؟"
"بقالي يومين ما اكلتش! يعني أموت من الجوع؟!"
"لأ...بس لما تاكلي يعني تاكلي ساندويتش من الشارع؟!"

تقضم قطعة كبيرة من الساندويتش وتستمر في القفز ليدب الدفء في أوصالها وتبتسم ابتسامة واسعة وتقول: "ما أنا بقيت كويسة خلاص!"

(2)

"كلميني. مش معايا رصيد"
"لأ مش هاكلمك. ماليش نفس"
"يا بت كلميني! كلميني من باب الزكاه"
"إنتي لا تجوز فيكي الزكاه يا بنتي...إنتي من المؤلفة عقولهم!"

(3)

فلانة وأخوها فلان وصديقتها علانة في ندوة عن استخدام الرمزية في الفن. في الاستراحة يخرجوا للحديقة ليستطيع فلان أن يدخن. تهمس لهم علانة أن الفتاة التي تتحدث في المحمول في الحديقة كانت معها في الكلية. فجأة تُنهي الفتاة المكالمة وتستدير لترى علانة.

"إيه ده! مش إنتي علانة اللي بتغني؟!"
"أيوه! مش إنتي صاحبة ترتانة؟ وهي فين دلوقتي؟ أنا سمعت إنها بترقص".
"أيوه فعلاً هي بترقص دلوقتي".
"ألف مبروك! ربنا يوفقها".

(4)

أنا بحب كلمة "قاتل الألم"...باحس إنه حاجة فعالة أوي...زي المبيد الحشري كده.

وبحب الستاير البلاك أوت. بتديني إحساس باللازمان واللامكان...يعني ممكن دلوقتي أكون رائدة فضاء في مكوك مثلاً.

وأول مرة ليا في قطر النوم التكييف كان ساقع جداً وكان في راديو مركزي شغال في كل الكباين محسسني إني راكبة بسكلته وحاطة راديون ع الجادون!

(5)

يرن الهاتف. تُفزع من نومها وتمد يدها تحاول أن تجده في ظلام الغرفة.

"الو..."
"إنتي نايمة؟"
"لأ!"
"امال صوتك عامل كده ليه؟ صوتك نايم خالص".

يُسقط في يدها. لا تريد أن تُشعرها بالذنب لأنها أيقظتها من النوم.

"لا أبداً...أصل أنا بس كنت قاعده في السرير ساكته".
تضحك: "قاعده في السرير ساكته يعني نايمه".

(6)

"إنتي لازم تفكري لنفسك في اسم من بتوع الهنود الحمر...واسم ينفع لشخصية الساحرة....واسم بوست مودرن"
"اسم بوست موردن؟! زي إيه مثلاً؟ البت المتعولمة؟!"

(7)

فلانة وعلانة بالبيجامات احتلت كلتاهما أريكة في غرفة المعيشة المريحة، تتناوبان طلاء أظافرهما من نفس زجاجة طلاء الأظافر.

"هو أصلاً ابن الذين عاوز يطلقها....الموضوع مش موضوع تخس ولا تتخن ولا تسيب دراستها...دي كلها تلاكيك!"

"أيوه! هو عاوز واحده يرجع يلاقيها مستنياه بقميص النوم الشفتشي ومظبطة نفسها وحاطة مكياج بقى ومانيكير وحركات!" تصمت لحظة ثم تقول: "زينا كده!" وتنفجران في الضحك.

(8)

رحاب وشهاب يحضران ندوة ما. في الاستراحة تسلم رحاب على أصدقائها. يسألها الكل سؤال واحد: "إزيك؟ وإزاي سميرة؟ وفين سميرة؟" ورحاب ترد وتبتسم وتعدهم بالمزيد في القريب. وسط كل هذا يقول شهاب: "رحاب...تعالي ثانية واحدة أنا عاوزك" وينتحي بها جانباً. بجدية شديدة يسألها: "هي مين سميرة؟"

(9)

الثامنة صباحاً. محاضرة لغويات مملة. يمكنها أن تضبط جهازها العصبي على صوت الأستاذة الرتيب وتذهب في نوم عميق. السبب الوحيد الذي جعلها تحضر تلك المحاضرة هو أن اليوم الثلاثاء أي محاضرات من الثامنة صباحاً للثامنة مساءً في نفس المدرج، وإذا لم تحجز مكاناً من أول النهار لن تجد مكاناً في محاضرة أستاذتها المفضلة. لأول مرة في حياته يدخل أخوها كليتها. يجلس بجوارها في آخر المدرج يتفرج حوله بانبهار. فجأة يلكزها في جنبها وهي تحاول أن تضع طلاء الأظافر الأحمر القاني.

"الحقي! فلانة!"

تنظر فتجد فلانة نائمة.

"مالها؟"
"نامت!"
"طب وإيه؟"
"افرضي الدكتورة شافتها؟!"
"تشوفها؟! يا طيب! يا ابني احنا قاعدين في آخر المدرج...وده تاني أكبر مدرج في الكلية! شوية وهتلاقي باقي الناس نامت ماتقلقش. ما هو احنا لازم ننام عشان نقدر نكمل اليوم! تاكل جبنة ولا بطاطس؟ علانة معاها ساندويتشات النهارده".

(10)

"كل ما آجي اشتري حاجة فلانة تقوللي ده سلوك استهلاكي...إنتي مش محتاجة الحاجة دي"
"واضح إن فلانة بقت شيوعية. بعد كده ابقى انزلي معايا أنا...أنا رمز من رموز الرأسمالية"

(11)

"قومي يا فلانة صورينا"
"لأ مكسلة أوي...قومي إنتي يا علانة"
"لأ لو قمت هأنام على روحي وأنا واقفة، قوم انت يا فلان"
"واشمعنى أنا اللي أقوم يعني؟"
"مش أنت اللي قلت نتصور؟"
"لأ أنا مش قادر اتخيل إني اقوم من الكرسي".
"طب ما ننده على حد من الجرسونات يصورنا..."
"اللي قادر ينده ينده...أنا هأنام دلوقتي حالاً..."
"بصوا...زي ما أنتوا كده...هاتي يا فلانة رجليكي كده شوية...أيوه.."

لم يبق من هذه الليلة المقمرة في دهب غير صورة لثلاثة أزواج من الأرجل تستند على مقعد صغير.

(12)

"لأ أنا رأيي إننا لازم يبقى شكلنا مجنون...مش بس تصرفات وكلام! لازم نلبس هدوم مجانيني!"

(13)

إنه الصيف والعمل بطيء. اقترح أن يتذكر كل منا نكتة "عبيطة" ولكنها مع ذلك مضحكة جداً. أقول أنا إن نكتة "طماطمتين بيعدوا الشارع" هي أعبط نكتة سمعتها في حياتي ولكني كلما اتخيل الموقف اضحك جداً. تقول فلانة إن نكتة "واحد داسته عربية 126 مات من الضحك" هي النكتة التي تقضي عليها، وتقول علانة إن نكتة "افتحي يا سيدة الصفيحة هتموتني" هي نكتتها المفضلة، في حين اتذكر نكتة الذي فتح الثلاجة ليشرب فوجد قالب "جيلي" يهتز فقال: "ما تخافش ماتخافش...أنا هاشرب بس"، وتطلب مني فلانة أن أقول لهم نكتة "عندما تقول للضفدعة نطي...تنط".

(14)

أنا في المول بأبص على هدوم وعندي إحساس بالـ"ديجا فو": موديلات كتير وألوان كتير بتاعت الموضه السنه دي لبستها في إعدادي أصلاً. أكيد مش علامة كويسة إن الواحد يلبس نفس الموضة مرتين في حياة واحدة!

(15)

"لو سمحت...لو سمحت! عبده تلوث فين من فضلك؟"
"حضرتك المنطقة هنا كلها اسمها بكتيريا"

في اليوم التالي:
"على فكره! إحنا أكلنا في عبده تلوث مزور!"
"يا مصيبتي! اتنصب علينا في التلوث؟!"
"حكمتك يا رب! حتى التلوث بقى مضروب في البلد دي!"

(16)

"الحقيني! الرومانتيك ماسكين في خناق النيو-كلاسيك ومش راضيين يسيبوهم إلا لو درايدن لبس طرحة وقال أنا اسمي سوسن!"

(17)

"بتعملي إيه؟"
"ع النت باتابع خط سير الطيارة. الموضوع واخد معايا أبعاد سيكوباتية. أنا هامشي وراه وأراقبه بقى...واتصل بيه في التليفون وما اردش واقعد اتنفس في السماعة زي القتلة المحترفين!"
"دي مش أبعاد سيكوباتية! دي أبعاد إجرامية!"

(18)

أنا راكبة تاكسي والراجل معلق في المراية سبحة ودعاء الركوب وهيكل عظمي بلاستيك! إيه العلاقة؟! صباح الخيال المريض! إيه اللي يخلي أي حد يعلق هيكل عظمي بلاستيك جنب السبحة ودعاء الركوب؟! عظة يعني؟

(19)

"هو الشغل كويس بس مش لاقية نفسي فيه أوي يعني".
"إنتي عايزة تشتغلي في الترجمة وبس؟ إنتي حلك بقى إنك تستني عصر النهضة".
"متخيلة نفسي عجوزة جداً وباكتب بريشة بقى ومستنية عصر النهضة..."
"أو أقولك...إنتي تلحقي عصر النهضة في بلاد تانية".
"وهي النهضة فين اليومين دول؟"
"حالياً مافيش للأسف. بس إنتي ممكن بقى تعملي حاجة تانية: تترجمي من العربي للإنجليزي".
"وإيه الجديد في ده؟"
"لأ ما انتي بقى تترجمي حاجات محدش ترجمها قبل كده! عندك مثلاً....أديب الشباب! ترجميه وابعتيه بره...واهو كده نبقى ضربنا عصفورين بحجر: عملتي شغل ترجمة ونهضة، وجبتي تخلف لبلاد بره!"
"لأ أنا عاوزة اترجم لجمال الدين الدولي".
"لأ الدولي مش هيلعب مع الناس بتوع بره لإنه بينادي بإلغاء الثانوية العامة وهم هناك لغوها من زمان".

(20)

"الحياة عبارة عن صراع دائم بين الخير والشر...الفضيلة والرذيلة....الرجيم والشوكولاتة!"

(21)

"أنا حاسس إني ضايع...تايه...حاسس إني مش عارف أنا مين!"
"دي حاجة رائعة!"
"رائعة؟!"
"أيوه! حيث إنك مش عارف انت مين...يبقى ممكن تبقى أي حد تختاره! مش هتبقى خسران حاجة لإنك أصلاً ضايع! دي فرصة ممتازة لإعادة اختراع نفسك!"

(22)

"أنا خايف يقبضوا عليا ويقولوا إيه الاجتماعات اللي بتعملوها دي...ثقافة إيه ونيلة إيه!"
"لأ ما تخافش...هم عادةً في المواقف دي بيخطفوا أختك أو حبيبتك أو الكلب بتاعك رهن عندهم، وحيث إنك ماعندكش حبيبة أنا باقول تجيب كلب عشان تفدي أختك".

(23 )

نستعد لتناول طعام الغداء في العمل. ينادي علىّ فلان: "رحاب...هي إشارة المرور ترتيب ألوانها إيه؟"
"أحمر أصفر أخضر".
"شكراً".

أميل على فلانة: "هو أنا بأشتغل إيه هنا بظبط؟! اشمعنى بيسألني أنا؟"
"يمكن عشان إنتي المثقفة اللي فينا"
"ربنا يسامحك! أهو إنتي!"

(24)

السنة اللي فاتت كانت الموضة المانجه الصغيرة. السنة دي الخوخ الصغير. العالم—كما نعرفه—ينكمش بسرعة رهيبة!


(25)

تقوم فلانة من على مكتبها وتقف أمام مكتبي لتسألني: "إنتي طول عمرك كنتي مهرتله كده ولا الحكاية دي بتيجي بالتدريب؟"

Thursday, June 30, 2005

الدفء


يباغتني البكاء بوقاحة، ولأني لم أكن مستعدة، استسلمت بغيظ. أبدأ في البكاء وأنا في السيارة، عائدة للمنزل بعد يوم عمل طويل وبارد...بارد. تفاجئني غزارة الدموع. لا أعرف ماذا أفعل بنفسي. أخشى أن أغرق في سيارتي. لا أبكي فحسب، بل انتحب بصوت عالٍ. أرى نفسي من خارج الإطار: فتاة تبكي وتعلو سيارتها الصغيرة بالونة بها "إهيء...إهيء" كقصص الأطفال المصورة. صورة باعثة للشفقة. أبكي أكثر. ‏

أفكر في خياراتي: لا أريد أن أعود للمنزل على هذه الهيئة، ستُذعر أمي. أقرر أن أقود بلا هدف لبعض الوقت. تزعجني نظرات ركاب السيارات المجاورة. أقرر أن اتجه للطريق السريع. أقود لمدة خمس دقائق، ثم يعود إلَى إدراكي السليم شيئاً فشيئاً، فأُدرك أن قيادتي وحدي في الليل على الطريق السريع ليست بالتصرف الحكيم. أخشى أن تتعطل سيارتي أو يضايقني أحد سائقي الشاحنات الكثيرة التي تحيط بي. أرى نفسي كتكوت مبتل وتائه وسط قطيع من الأبقار. أبكي أكثر. أسلك أول مخرج وأعود للمدينة. أنا في الأساس ضد القيادة بلا هدف.‏

ماذا أفعل الآن؟ البكاء لا يريد أن يتوقف. تخطر على بالي فكرة تأجير غرفة في فندق مجاور. ولكن ماذا سيقول العاملون بالفندق إذا سمعوا أصوات بكائي من خلف باب الغرفة؟ سيظنون أن أحداً يضربني أو في أحسن الأحوال سيظنونني مجنونة. تفاصيل...تفاصيل...والمزيد من التفاصيل العبثية. أنا بردانة...بردانة جداً. أين يمكنني أن أبكي بدون إزعاج؟ السينما؟ أتفقد الساعة فأجدها تجاوزت العاشرة مساءً. أين إذن؟ أفضل مكان للبكاء هو مكان كئيب أصلاً. ماذا عن المقابر؟ تنتابني رعشة وقشعريرة. صورة ذهنية واحدة للمقابر ليلاً في هذا الجو البارد صرفت الفكرة تماماً. ‏

تنقذني مكالمة هاتفية.‏

"إزيك!....إيه ده صوتك عامل كده ليه؟....بتعيطي؟! إيه اللي حصل؟....طيب إنتي فين؟...طيب أنا في بيتنا اللي هنا...هننزل نستناكي تحت البيت...ماتروحيش...ما تطنشيش...إحنا واقفين في الشارع اهوه..."‏

يتبقى لدىّ قليل من البكاء أفرغه في حضن صديقتي. مجرد وجودها مع زوجها صديقي في سيارتي الصغيرة يجعل الحياة أدفأ. تحاول أن تتكلم معي وأحاول أن أتكلم وسط بكائي. في المقعد الخلفي يجلس زوجها صامت تماماً يحاول أن يفهم. عندما يتكلم يقول إنه لا يستطيع أن يصدق أنني أبكي لأنه كلما يفكر فيّ يضحك. أدرك أنني لا أريد الكلام، فقط أريد أن أبكي. أرانا جميعاً من خارج الإطار: ثلاثة أشخاص بملابس ثقيلة مكدسون في سيارة صغيرة، بخار يتجمع على نافذة السيارة الأمامية، والفتاة التي تجلس في مقعد السائق تبكي وترسم على بخار أنفاسها مربعات ومكعبات.‏

بمكالمة قصيرة ولفة صغيرة من مقود السيارة انخفضت احتمالات إصابتي بالجنون، أو أن يضايقني أحد، أو أن يأخذ أحد المارة على عاتقه عبء حل مشاكلي أو إسداء أي نصيحة، أو أن يختطفني أحد، أو أن تهاجمني العفاريت، وانخفضت احتمالات أن أتجمد من البرد على قارعة الطريق. الدفء إحساس داخلي فعلاً. ‏

Friday, June 03, 2005

نظريتي اللغوية


لدى نظرية لغوية تتلخص في أن حروف الكلمات تعطي شكلاً لمعانيها وتعبر عنها. حاولت أن أعرض نظريتي على من احترم أرآئهم في اللغة، ولكنهم قالوا إنه مجرد ارتباط شرطي في عقلي بين معنى الكلمة وشكلها. لا بأس...شرطي شرطي! بعد سنوات من دراسة النظريات اللغوية الغامضة (والعقيمة في بعض الأحيان)، أصبح لدي نظرية لغوية خاصة بي وهذه فرصتي لأعرضها.

تأمل معي كلمة "دهشة". تبدو لي الهاء ونقاط الشين كحاجبين مرفوعين لشخص مندهش. وحتى التاء المربوطة (عادةً تنطق هاء) تبدو لي هنا وكأنها شخص يقول: "هه؟!" باستغراب ودهشة...هه...هه.

وكلمة "ذهول". الذال مرتبكة كشخص يحاول أن يجد الكلمات وسط ذهوله. والهاء هنا تأخذ شكل عينين مفتوحتين تبرقان. والواو بالتأكيد فم مفتوح نسى صاحبه في غمرة ذهوله أن يغلقه. واللام خاطفة ولكنها طويلة، كالوقت. هل لاحظت أنه غالباً ما تشعر بالزمن طويلاً عندما تكون مذهولاً؟

أما كلمة "غضب" فهي مثالي المفضل. تأمل الغين: شكلها يبدو لي كالزمجرة...غغغغغغ...تمهل في نطقها بصوت عالٍ. أما الضاد فهي تشبه تقطيب الغاضب وتجهمه. والباء نهائية، مقتضبة وحاسمة، كشخص يزم شفتيه بعد ثورة غضب...ببببب.

وخذ مثلاً كلمة "احتلال": فيها أربعة حروف تكتب عمودية. تبدو لي الألف واللام هنا كالبنادق، كالأسوار، كالأيام السوداء التي تأتي عليك قطعة قطعة، كالليالي الطويلة التي يقضيها المقهور في الانتظار وبناء الأمل تلو الأمل، والحاء وضيعة وخسيسة ومتسللة، والتاء صادمة كلحظة اكتشاف الخيانة.

وكلمة "وطن" واوها يد تمتد لك لتحتضنك (أو تقرصك من أذنيك أو حتى تصفعك). والطاء طين وطمي تزرعه ليعطيك (أو تغوص قدمك فيه فلا تقوى على الحركة وتلبث في مكانك سنوات). والنون نيل، رقراق ورائق (أو ملبد وهائج). والوطن مكان وزمان. تسمع اسمه فترى صور صغيرة جميلة (أو صغيرة قبيحة). تسمع اسمه فتتذكر (ذكريات في الماضي أو في المستقبل). تسمع اسمه فتبكي وتضحك وتجد نفسك مندفعاً بسرعة لحافة الجنون. تسمع اسمه فتركض وتركض لتصل للنهاية، فإما تقفز وترتفع لتتحول لنجمة تضيء الطريق، أو تقفز وتسقط وتتهشم وتتحول إلى كيان مَنسي آخر يضاف إلى آلاف الأشلاء التي لا يعبأ بها أحد.

أضع "الوطن" و"المحتل" بجوار بعضهما. اقرأ: "الوطن المحتل". يستحضر عقلي فوراً حكايات الأسرى واللاجئين. أرى المستوطنات نظيفة وأنيقة، وأرى الخيام تبدو دائماً وكأنها ستنهار في هذه اللحظة بالذات. أرى الجدار العازل والأسلاك الشائكة والأطفال يجعلون من الجدار مرمى لكرتهم. أرى السيدة الفلسطينية التي تحكي عن أرضها التي بُني عليها الجدار. أرى اليوسفي يكاد أن يعطب في صناديقه عند بوابات الحراسة، وأشجار الزيتون المخلوعة من جذورها. أرى الأمهات والآباء، من أوصل الرسالة ومن لم يوصلها. استحضر حكايات المعتقَلين والفاسدين، المجني عليهم والجناة، المفعول بهم والفاعلين. أرى طريق صحراوي طويل في آخره ليمان طرة في يوم حار ومترب وأحمر. أرى سيدة تمضي وقتها في الطهي لابنها وعندما تذهب لتراه في المعتقل لا يسمحون لها...لعاشر مرة. أرى أب في الشارع يمشي بصورة ابنه الذي لم يره منذ سنوات، يحكي حكايته ويستمر في السير يجر خلفه صوته المكسور. أرى النخيل على ضفاف النيل في أسيوط. أرى السيدة التي تنام تحت الكوبري، لسنوات، حتى لم أعد أدري أين تنتهي السيدة ويبدأ سور الكوبري. أرى تلك السيدة التي نجحت في محو أمية رجال قريتها. أرى طفل بوجه متسخ على عربة قمامة يبتسم لي في لقطة تكاد تكون جزء من حلم لجماله وجمالها. أرى السيدة الأخرى التي لا تملك في منزلها غير غسالة يدوية: تقف عليها وتقول لي إنها لا تستعمل ذلك المسحوق لأنه يهودي. أرى إعلانات لا حصر لها لهذا المسحوق. أرى رجل يمشي في الشارع لا يستره سوى بضعة عبوات ورقية مكتوب عليها "أسمنت مصر". أرى صديقتي وهي تحكي لي عن مزرعتهم التي كانوا يزرعون فيها القطن حتى تحول الأبيض إلى أحمر محترق بين ليلة وضحاها بعد المبيدات. أرى غاندي يغزل ويغزل. أرى الدهشة والذهول والغضب ثم الغضب ثم الغضب.

من حافظتي انزع قطعة قماش الحطة الفلسطينية التي احتفظ بها واضع علم مصر.

Saturday, May 28, 2005

الأول من يونيو 2005 - يوم الحداد



Image hosted by Photobucket.com


مصر كلها سترتدي السواد الأربعاء 1 يونيو 2005، حداداً على ما ارتكب في حق نساء مصر يوم 25 مايو 2005 من قبل مرتزقة الحزب الوطني تحت مرأى ومسمع الشرطة

تطالب رابطة الأمهات المصريات بمطلب واحد عادل: استقالة وزير الداخلية

يمكنكم قراءة المزيد
هنا وعند علاء وعلياء ورامي

وهذا رد المتحدث باسم رئاسة الجمهورية

شكراً لألف على لافتة الحداد

تحديث بتاريخ 29 مايو: أفكار لتنظيم أفضل عند تواصل ومن القاهرة وواحدة مصرية

تحديث بتاريخ 31 مايو: غداً الأربعاء اعتصام بنقابة الصحفيين الساعة الواحدة ظهراً تضامناً مع رابطة الأمهات المصريات وكل من تعرض للأذى يوم الأربعاء الأسود

وخمس منظمات حقوقية تتضامن مع الدعوة إلى يوم الحداد الوطني

ووثيقة تضم شهادات لبعض ممن حضروا مظاهرات الأربعاء الأسود

تحديث بتاريخ 1 يونيو: نقلاً عن محمد: حسب موقع العربية ، فان من بدأت الدعوة للحداد هي هبة رؤوف عزت

Thursday, May 26, 2005

عناوين الصحف


أنزل الدرج مسرعة. فرصتي الوحيدة لتفقد عناوين الصحف هي تلك الثواني التي يستغرقها نزولي الدرج. أقرأ العناوين من الصحف الملقاة أمام أبواب جيراننا في الطوابق الأربعة. لدينا جار وفدي، وآخر ناصري، وآخر يفضل الأخبار على الأهرام، وجار طبيعي يقرأ الأهرام. ‏

أمام باب جاري الناصري وجدت العربي مقلوبة على ظهرها فأكملت نزولي. أمام باب جاري الأخباري قرأت بالبنط الأحمر العريض: "جماهير الشعب قالت كلمتها في الاستفتاء – مشاركة شعبية كبيرة في الاستفتاء علي تعديل المادة ‏76‏ من الدستور شملت كل المحافظات – الاستجابة الجماهيرية أسقطت دعوة بعض أحزاب المعارضة للمقاطعة". أمام باب جاري الأهرامي قرأت: " الشعب يرد بقوة على المطالبين بالمقاطعة وعدم أداء الواجب الوطني". أمام باب جاري الوفدي قرأت: "فضيحة الاستفتاء" وحسب، بعد الصفحة الأولى السوداء التي لاحظتها أمس حداداً على "نكسة 76" على حد تعبيرهم.‏

في الطريق استمعت إلى جاهين يلقي "على اسم مصر" محاولة أن أفك معانيها. اكتشفت إنني لا أفهم الجزء الخاص بحتحور المنتقمة الدموية الحانية. ‏

أصل إلى البناية التي أعمل بها. في المصعد يجلس عامل المصعد على مقعد صغير منكباً على صحيفة أخبار الحوادث ويقرأ باهتمام مقال عنوانه: "اعترافات: طالبة الدبلوم فتاة ليل محترفة".‏